صفحة البداية

في الطريق الى كفرقاسم


لأول مرة في حياتي، أتوغل في ذلك القطاع في المثلث وأبعد نقطة وصلتها من قبل كانت قرية الطيبة أم تلك القرى.
وأما اليوم فانني أترك الطيبة في اتجاه كفرقاسم التي تبعد 25 كيلو مترًا تقريبًا.
وعلي قبل كل شيء أن أمجد أيدي فلاحي تلك القرى. انها أيدِ صناعٍ حقًا ! 
الحقول هنا طيبة طيبة وذات أسرار لا نهاية لها. وترابها أسود أسود ذو ابتسامة ودودة.
ورغم أن الفصل خريف الا أن الأرض خضراء كالزبرجد محشودة بالقطاعات المزروعة فاكهة وخضراوات.
وعلى الرغم من سياسة السلب والأضطهاد والافقار الاقتصادي المخطط الا أن الفلاحين هنا عرفوا كيف يتحدون كل الصعوبات. انهم *يظلون يعالجون الأرض بأيد دربة وخبرة متوارثة حتى تستجيب ويدغدغون حتى تفيض وهي تضحك ضحكة ذات معنيين : سخرية من تلك السياسة، وانتصارا على كل ظلم.
زرافات زرافات ينتشر الفلاحون في حقولهم على طرفي الطريق. منذ أن تدخل مفرق الشارع العام المؤدي الى الطيبة وحتى تصل الى مفرق كفرقاسم. نساء وأطفال وشيوخ وشباب يعشبون ويقلعون ويقطفون الثمر. وبالرغم من سرعة السيارة وهي تقطع الطريق الا أنه تتناهى اليك أصوات الفلاحين وتكاد تفهم ما يقولون رغما عن اللغط غير الواضح ويخترق اذنيك الى قلبك صراخ رضيع أو ضحكة شابة أو ترويدة من تراويد فلاحين تسقط في نفسك حتى الأعماق، وينفتح صدرك وتتنفس الهواء بحرية. وأما قلبك فانه يكبر ويكبر وهو يحتوي كل شيء وافقك الذي تجعله همومك ومتاعبك اليومية أضيق من سم الخياط يتسع ويتسع وتشعر أن التفاؤل ينمنم في شرايينك وهو يسير مع الدم فيجلوها من الداخل وتومض في فكرك الحكمة الرائعة المتوارثة: لا شيء يستطيع أن يقهر الانسان الذي طوى أضلاعه على ارادة الحياة !
*** 
على طول الطريق المؤدي من الطيبة الى أرض المذبحة .. كفرقاسم .. تزداد الرقع الخضراء والمساحات المزروعة بالحمضيات. وينبهك أحد رفاقك الذين في السيارة وهو يشير الى يسار الطريق: هذه هي قلقيليه . . ! وتلتفت لترى على بعد رمية حجر منك قرية كبيرة جميلة ترتفع وسطها مأذنة وأما بيوتها فتنتشر على بعض كالبيدر.
قلقيليه . . ! القرية التي من الطرف الآخر للحدود . . !
ويومض فكرك: هذا شعبك يا حبّوب . . مقسوما الى نصفين . . وتتذكر ليلة المذبحة التأديبية التي تمت هناك . . 
وتغيب قلقيليه خلف غابة باسقة من الأشجار . . 
***
ان المسافة التي ما زالت تفصلنا عن كفرقاسم تتقلص والسيارة تمسك من الطريق قطعة وراء قطعة وترميها خلفها . . دون أن يلحظ أحد ذلك.
انك تقترب الى . . . " هناك" . . شيء ما فيك يتحفز . . ان لحظة انتباه تسطع في راسك وتتحكم بكل ذرة في بدنك.
وينتابك شعور جامح . . قد يعترض طريقك طارئ . . وتنظر الى السائق ويفهم دون أن ينظر اليك أن عليه أن يسرع ! 
وتصل مفرقًا في الطريق وتتوقف السيارة ! 

 

في الطريق الى كفرقاسم هذا هو مفرق كفرقاسم في المعركة مع الموت . .انتصرت الحياة صالح خليل عيسى في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا ما لم يشاهده صالح خليل عيسى مقبرة نشأت في يوم واحد بالعملة التنك الموت يتقهقر أمام الحياة

 

قصائد تقرير توفيق زيَّاد كفر قاسم - المجزرة والعبرة ـ 45 عامًا على المجزرة ـ مقدمة