صفحة البداية

في المعركة مع الموت . .انتصرت الحياة


على يمين الشارع ويساره سهول رحبة ملكتها القرية أبًا عن جد صادرتها الحكومة. 
بيارتان واحدة قديمة والثانية جديدة لا تعرف أي منهما أشد اخضرارًا . . . وتنتبه أنك لم تعرف من قبل أن اللونين الأخضر - لون أشجار البرتقال - والأسود - لون الأرض - ينسجمان في روعة ما بعدها روعة.
وتلمح عيناك آثار أبنية عسكرية. هنا كان مخيم عسكري للجيش البريطاني . . وتتنفس بارتياح . . كل ظلم زائل ! هذه سورة السور في كتاب الحياة ! شيء غير المحبة لن يسود . .!
وتبدأ الطريق في التعرج . . 
وكلما صعدت في الطريق يأخذ عري الأرض في ازدياد حتى تصبح عارية تمامًا وكأنها نزلت الساعة من بطن أمها .
وتمر بجانب محاجر القرية المهجورة . . 
العمال تركوها لأن حجرها رخو وقصوا محاجر جديدة أكثر صلابة. ولكنهم عادوا وهجروها وتوزعوا في المدن والمستوطنات القريبة يعملون في الأجرة في أراضي الشركات والمشاغل وورشات البناء والمطاعم والمقاهي.
ويزداد تعرج الطريق وارتفاعها، بعد أن تخلف المحاجر وراءك حتى ترى مقدمة السيارة وكأنه يتجه نحو السماء. وتجد نفسك . . فوق "الطبقة" . . . فهكذا يسمي أهل كفرقاسم تلك الطلعة.
وتصبح على بعد عشرات الأمتار من أقرب بيت في القرية . . ويقفز قلبك وتضع يدك عليه وتضم قبضتك حتى لا ينفلت.
ما أصعب التنفس هنا.
وتحس أن قبة قميصك الصيفي المفتوح تضايقك فتتحسسها بأصابعك ثم تفرك عنقك.
ويصمت حولك كل شيء . . حتى محرك السيارة لا تعود تسمع صوته.
الهواء ثقيل.
وتحس أن جسمك خفيف جدًا . . وتصبح حساسًا الى درجة غريبة.
لماذا ؟ . . لأنك تسير على نفس الشارع الذي جرت المذبحة على طرفيه . . ! انك لم تشهد المذبحة.. ولم تنج منها مثل غيرك . . ومع ذلك فأنت تحضن الأرض بأجفانك. شعور الخوف من مجهول يتربص بك ينتابك . . واذا كان هنالك نوع مشروع من الخوف فهذا هو النوع . . . 
وتشيل نفسك وتحطها . . ربما هنا في هذه النقطة بدأت المذبحة . . ربما ان هذه العشبة البرية بالذات كانت أول عشبة اصطبغت بالدم الزكي ربما أن هذا الحجر نفسه هو الذي تعثر به أو قفز عنه أحد الهاربين من المذبحة. 
من يدري . . 
ولكنك تدري شيئًا واحدًا أن كل شبر من الأرض هنا . . كل حجر ونصبة زيتون وعرق دوالي . . 
كل حبة تراب شهدت ما لم تشهده أنت: وشابت - على طريقها الخاصة - في ليلة ما فيها ضوء 
كل شيء يحدق فيك مؤنبًا . . 
هل هنالك شعور من تأنيب الضمير تحس به الضحية لمجرد كونها ضحية . . ؟ على أن أعترف أن شعورًا كهذا يربطني، من ضمن ما يربطني، بما جرى في كفرقاسم. وينتصب أمامك سؤال كبير: ماذا كان من الممكن أن تفعل حتى لا يحدث ما حدث ولم تفعله؟ ويختلط في رأسك جوابان الأول يقول: لا شيء والثاني يقول كل شيء. ويمتزح اللاشيء بالكل شيء ويلف الواحد في ملاحقة الآخر في سرعة غريبة حتى لا تعود تفرق أيهما اللاشيء وأيهما كل شيء.
ويخيل أليك أن الأرض كلها متاريس ومخيمات وجنود وسيارات. وتختلط وجوه حديدية بأخرى من لحم ودم، وولولة النساء بأوامر الضباط وطلقات الرصاص، بصراخ الرجال . . وهل في الدنيا أشد مرارة من صرخة ألم يختنق بها رجل . . ؟ ! ان عينيك يا بستان . . يا بستان . . كالأرض الخراب ومع ذلك فأنت تبكي . . وتبكي . . وتبكي . . ولكن دموعك كلها تفيض الى الداخل . . 
وتمر السيارة من جانب البيت الأول فالثاني فالثالث . . وتبدو القرية أمامك على امتداد الشارع ومن بعيد تلوح ساحتها التي ترتفع فوقها مئذنة الجامع.
وعلى الأسيجة وعتبات البيوت يتجمع نسوة واطفال ورجال . . والكل يلتفت نحو السيارة والأطفال الذين يلعبون جماعات على الشارع يوقفون لعبهم وينظرون اليك من خلال زجاج السيارة وهم يضحكون ويشيرون بأيديهم ويصفقون ويقفزون على الأرض . . 
وتلمح طفلاً لم يتجاوز السابعة يركض خلف دولاب من المعدن أمام السيارة وهو يتلفت خلفه نحو السائق وكأنه يتحداه.
ويبتسم السائق له وهو يتجاوزه. ولا ييأس هو بل يواصل ركضه خلف السيارة حتى يختفي عن النظر.
وتصل السيارة الى غايتها . . وتقف أمام مقهى في ساحة القرية !
عشرات الشباب حول الطاولات يلعبون الورق . . وعلى دائر الساحة أمام الحوانيت وبوابة الجامع وتحت الأشجار الباسقة يجلس الناس عناقيد عناقيد يدخنون ويتحدثون . . واحد وراء الآخر ينظرون اليك ثم يعود كل شيئ الى حاله
وبمجرد أن تنزل من السيارة، يعرف بعض الشباب رفاقك الذين يحملون "الإتحاد " فتراهم وهم ينبهون بعضهم البعض ويبتسمون: ... جاءت الشيوعية ... ويهرعون إلينا. هؤلاء الناس
من المؤكد أنني وحدي الآن أفكر بالموت... بالمذبحة... وأما هم فإنهم يدخنون ويتجادلون ويضحكون... إنهم كلهم، في هذه اللحظة يفكرون بالحياة... وأنا وحدي أفكر بالموت... أنا القادم من بعيد لأكتب عنه.
ووجدت نقطة التقاء... إنني قادم لأكتب عن الموت ولكن من أجل الحياة... الحياة التي لا نهاية لها.

 

في الطريق الى كفرقاسم هذا هو مفرق كفرقاسم في المعركة مع الموت . .انتصرت الحياة صالح خليل عيسى في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا ما لم يشاهده صالح خليل عيسى مقبرة نشأت في يوم واحد بالعملة التنك الموت يتقهقر أمام الحياة

 

قصائد تقرير توفيق زيَّاد كفر قاسم - المجزرة والعبرة ـ 45 عامًا على المجزرة ـ مقدمة