صفحة البداية

صالح خليل عيسى


ولدت قبل 29 سنة...
وعمري عشر سنوات
واحترت ...من أين أبدأ..؟
ورأيت أن أفضل شيء هو أن أمشي في شارع ـ زقاق ـ من شوارع القرية وأدخل بيتا أو حانوتاً وأبدأ منه الحديث.
وهكذا فعلت... سرت في زقاق فرعي وأنا أقول في نفسي: استفقر...فليس مثل الفقراء من يحدّثك الصحيح بكلمات شجاعة.
ورأيت كوخاً بحجم اليد فدخلت...
كان ذلك حانوتاً... وبلمحة بصر رأيت أن كل البضاعة التي فيه تستطيع أن تجمعها وتضعها في كيس وتحملها على ظهرك .
كان في الداخل شابان: صاحب الحانوت ـ عمر عصفور ـ وآخر.
وبدون مقدمات قلنا لصاحب الحانوت أننا قادمون لنكتب تقريراً عن القرية ... عن المذبحة... كمساهمة منا في إحياء الذكرى السنوية للمذبحة.
وقال عمر : أنا مستعد للتحدث إليكم ... ولكن صالح ـ وأشار للشاب الجالس لجانبه ـ يستطيع أن يتحدث إليكم أفضل مني. هو نفسه كان أحد الضحايا الذين نجوا بأعجوبة. أطلقوا الرصاص عليه وجرح في يده ورجله وحسبوه مات وكوموه مع القتلى، ثم هرب. 
وأما أنا فقد أحسست أني وقعت على كنز ...هذا واحد نجا بعد أن واجه الموت...
وبتهيّب تطلعت فيه...
كانت عيناه تتحركان في انفعال مفاجئ غير مريح...وقال أن اسمه الكامل هو صالح خليل عيسى.
ومع صالح وعمر وآخرين جلست طيلة اليوم أسمع. ومعهم تجولت في شوارع القرية... ووقفت ، وجهاً لوجه ، أمام نفس البقع التي جرت فيها المذبحة المتسلسلة ليلة 29 ـ 10 ـ 56 . ومعهم زرت القبر الذي أصبح مزار أمة . لقد سمعت أشياء وتفاصيل لم أقرأ عنها ولم أسمعها من قبل.
ما جرى في كفر قاسم تلك الليلة سأرويه فيما بعد على لسان صالح خليل عيسى... شاهد العيان الذي نجا بأعجوبة. أُطلق عليه الرصاص وظنوه قد قتل، وسحبوه إلى كوم القتلى ثم هرب أثناء انشغالهم في "عملية" ثانية... واختبأ تحت شجرة زيتون ليلة كاملة...
وقبل ذلك لا بد من كلمة...
الحرب ...
إن الأيام القليلة التي سبقت يوم 29 ـ 10 ـ 56 كانت أيام تخطيط واستعداد محمومين للعدوان الثلاثي على مصر. المؤامرة حيكت في باريس ولندن بهدف استعادة قناة السويس، وباقي مصالح الاستعمارين المدحورين في مصر والشرق العربي، عن طريق احتلال عسكري مجدد.
أما حصة حكام اسرائيل من الغنائم فكانت، في الأساس، التوسع وضم قطاع غزة وسيناء إلى إسرائيل، وإقامة مملكة سليمان الثالثة في شرم الشيخ.
وبدأ العدوان... باندفاع الجيش الإسرائيلي في اتجاه الجنوب، واحتل قطاع غزة. وعسكرت الوحدات العسكرية الإسرائيلية على ضفة السويس القريبة.
وامتلأت الصحف هنا بصور أهالي غزة وسيناء وتحت الصور كتبت للتعريف: "مواطنو إسرائيل الجدد" و "متسللو الغد" وغير ذلك من الصيغ التي تنضح استعلاءً وشوفينية وأحلام فارغة تبددت فيما بعد مثل الآثار التي تركتها على رمل الصحراء، أقدام المنسحبين.
وتقرر في نفس اليوم، ضرب طوق على قرى المثلث، وفرض منع التجول.
الهدف من منع التجول ؟؟ رئيس الحكومة وقتئذ ، بن غوريون، أعلن في الكنيست فيما بعد، أن الهدف هو المحافظة على أرواح أهالي تلك القرى...
ممن المحافظة على أرواحهم...؟ لا نعرف...
ولكننا نعرف كيف حوفظ على أرواحهم...
الاستعداد للمحافظة على الأرواح
الساعة ـ 3 بعد الظهر
ضباط حرس الحدود مجتمعون. رئيس الاجتماع ضابط كبير اسمه "شدمي". إنه يبلغهم الأمر بفرض منع التجول ابتداء من الساعة الخامسة بعد الظهر ـ أي بعد ساعتين ـ وبعد أن يستفسر الضباط مرة وأخرى عم يجب عمله مع العائدين إلى قراهم، وهم لا يعرفون بأمر منع التجول الذي من المستحيل تعميمه في ساعتين على عشرات ألوف القرويين الموزعين في حقول المنطقة ومشاغلها، يلخص "شدمي" المذكور النقاش:
"الله يرحمهم ـ قال ـ بدون عواطف ...بدون اعتقالات...بدون جرحى.." .
وينفض الاجتماع دون أن يكون عند أي من آمري الوحدات ظل من الشك في معنى هذا الأمر.
سيارة جيب عسكرية ... فيها ضابط وبضعة جنود...تنهب الطريق الى داخل قرية كفر قاسم.
الضابط يتصل بالمختار ويبلغه الأمر. الساعة بعد الرابعة والنصف.
ويعترض المختار ـ كيف من الممكن تبليغ الأهالي والأعداد الكبيرة من العمال والفلاحين الذين يعملون في المدن، خلال أقل من نصف ساعة..؟
ويحرك الضابط يده: ـ انتم اهتموا بتبليغ الموجودين في القرية، وأما الذين في خارجها فسنهتم بهم نحن...
ما أبشع أن تعرض الأمور، بأعصاب باردة غير مبالية، على عكس حقيقتها، خصوصاً عندما تتعلق بحياة الناس.
الاهتمام بالعائدين ...
وبدأ الاهتمام بالعائدين... 
وعلى بعد عشرات الأمتار من آخر بيت في القرية، نصبت على طرف الشارع الغربي كمائن بالأسلحة الرشاشة...
بأية نفسية كان ينتظر هؤلاء ضحاياهم؟
لنسمع ما يقوله أحدهم:
اسمه: دافيد فولدفيلد ـ عمره 21 سنة ـ ولد وتثقف في البلاد، وهو يستطيع أن يكون نموذجاً لزملائه.
دافيد هذا كان أحد الشهود في المحكمة العسكرية التي تكونت بعد المجزرة. هو نفسه كان "في الواجب" ليلة المذبحة. ولكنه لم يكن بين المتهمين.
إنني أقتطف الحوار التالي من مجريات المحكمة:
المحامي حسيد: هل صحيح أنك تحمل في البلاد، وأنه طيلة أيام حياتك أدخل إليك الشعور بأن العرب هم أعداء دولة إسرائيل؟
الشاهد: نعم
المحامي حسيد: هل صحيح بأنك تحمل هذا الشعور نفسه تجاه العرب في إسرائيل والعرب خارجها؟
الشاهد: ليس عندي أي فرق.
المحامي حسيد: هل شعرت أنك إذا لم تنفذ الأمر، بقتل كل عربي في كفر قاسم ، إذا رأيته خارج بيته، فإنك تكون قد خنت الروح التي تثقفت بها في الجيش، وفي حرس الحدود؟
الشاهد: نعم
المحامي حسيد: لو كنت تسير، أيام الحرب، في أحد شوارع يافا مثلاً، ولقيت عربيا، فهل تطلق الرصاص عليه؟ 
الشاهد: لا أعرف.
القاضي هليفي: لو جرى معك في كفر قاسم ما يلي: بعد الساعة الخامسة، نادتك امرأة، وكنت متأكداً أنها ليست خطرة، ولا تهدد الأمن، فقط نادتك وأرادت أن تسألك سؤالاً، أو تطلب منك أن تسمح لها بالعبور إلى بيتها. ولنفرض أن هذا كان في الساعة5:20 مثلاً، فلو كانت هذه المرأة على بعد 10 أمتار من بيتها، وهي تطلب منك السماح لها بدخوله...ماذا تفعل؟
الشاهد: لا أسمح لها.
القاضي هليفي: ماذا كنت تفعل؟
إذا كانت في الشارع، أطلق عليها الرصاص.
القاضي هليفي: ولكن لم يكن أي خطر. فقط شخص ما، بسبب خطأ ما، أو بسبب أنه لم يعرف بأمر منع التجول، توجه إليك وأراد ، بإذن منك ، قطع الشارع...السؤال هو أنك ، رغم ذلك ، كنت ستقتل كل واحد، أو أنك كنت تفرق ... وتمتنع عن القتل؟ في حالات معينة؟
الشاهد: ما كنت أفرق.
القاضي هليفي: كنت ستقتل كل واحد؟
الشاهد: نعم
القاضي هليفي: حتى ولو كان ذلك الشخص امرأة ... أو ولداً؟
الشاهد: نعم.
القاضي هليفي: كنت تقتل كل من تراه؟
الشاهد: نعم.
بهذه النفسية جلس الذين في كمائن الموت، ينتظرون ضحاياهم، ليهتموا بهم...

 

في الطريق الى كفرقاسم هذا هو مفرق كفرقاسم في المعركة مع الموت . .انتصرت الحياة صالح خليل عيسى في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا ما لم يشاهده صالح خليل عيسى مقبرة نشأت في يوم واحد بالعملة التنك الموت يتقهقر أمام الحياة

 

قصائد تقرير توفيق زيَّاد كفر قاسم - المجزرة والعبرة ـ 45 عامًا على المجزرة ـ مقدمة