صفحة البداية

في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا



وأعود الآن إلى صالح خليل عيسى، وهو أحد الذين نجوا بأعجوبة "لأن في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا..." كما قال.
جلست معه وهو يروي وأنا أسجل...وحولنا بعض الشباب الذين خلال السنوات العشر التي مضت، سمعوا حكايته وحكاية غيره، مرات كثيرة، لكنهم كانوا وكأنهم يسمعونها لأول مرة ...
في ذلك اليوم، كنت أعمل في بيارة مع اثنين من أبناء عمي هما، أسعد وعبد سليم عيسى. أنهينا العمل بعد الرابعة بقليل... ركبنا دراجاتنا عائدين إلى القرية.
في الطريق التقينا بعمال آخرين، قالوا لنا أن في القرية منع تجول وإطلاق رصاص، ولا أحد يعرف لماذا. بعد تردد، قررنا مواصلة الطريق. عددنا كان يزداد، حتى أصبح خمسة عشر عاملاً على دراجاتهم.
أصبحنا على بعد كيلو متر من القرية. لم تكن عندنا مخاوف جدية. احتمال واحد كنت أفكر فيه... وهو أن يتعرض لنا ضابط قوة الحدود "بلوم" . ربما يشتمنا ويضربنا قليلاً كالعادة. لم أفكر في أي شيء آخر. 
بعد قليل سمعنا صوت اطلاق الرصاص. بدأت أحس أن المسألة خطيرة . . قلت لابن عمي فلنرجع. راح يشجعني. كان معنا شيخ في حوالي الستين هو الشهيد سليم أحمد بشير راح، بآيات قرآنية، يشجعنا.
واقتربنا حتى صرنا لا أبعد من 100 متر عن أقرب بيت في القرية.
وفجأة . . ظهر رجل من حرس الحدود واعترض طريقنا: 
- قفوا - صاح 
حتى تلك اللحظة كل ما تصورته كان الضرب . . لا الموت.
نزلنا عن الدراجات . . وأمرنا ذلك الجندي بالوقوف في صف: 
- من أين أنتم؟
- من كفر قاسم - صحنا بصوت واحد.
- وأين كنتم ؟
- في العمل.
وتأخر عنا حوالي خمسة أمتار حيث كان اثنان من زملائه بمدفع رشاش وصاح:
- أحصدوهم . . 
ولم أصدق الا عندما راح الرصاص ينهمر في اتجاهنا.
الرشة الأولى على أرجلنا والثانية أعلى قليلا وسقطت مع الآخرين. كان بجانبي عربة خيل كانوا قد احتجزوا صاحبها وأطلقوا عليه الرصاص معنا. وسقطت خلف العربة. لا اعرف كيف. شعرت أنني ما زلت حياً فقط بعد أن سقطت.
وهدأ كل شيء.
وابتعد عنا الثلاثة حوالي عشرة أمتار.
وجاءت بعد لحظات، سيارة تراك. أوقفوها. أمروا ركابها بالنزول. كان فيها كثيرون ( عرفت فيما بعد أن عددهم كان 23 ) من عمال شركة أسامية للزراعة.
وتقدم منهم نفس الآمر الذي أعطى الأمر لاطلاق الرصاص علينا وأمرهم بالنزول والاصطفاف خلف السيارة. وتناول صالح قلمي وراح يرسم على علبة سجائره خطوطا تبين موقعه وموقع السيارة والكمين وحركات الآمر في تلك اللحظة.
بعد أن اصطفوا خلف السيارة ملتصقين ابتعد عنهم ذلك الآمر ثم صرخ: 
- احصدوهم . . . 
وهرب البعض وسقطت الأكثرية.
وعاد القتلة الثلاثة حيث كنت وباقي ركاب الدراجات القتلى. وأخذوا يكومونهم في كوم واحد، على بعد 3 أمتار مني. كانوا يستعملون بطاريات ويطلقون الرصاص. انهم يجهزون على الجرحى.
واقتربوا مني. سحبوا العربة بعيدا. دولابها الحديدي مشى بكل ثقله على قدمي. كنت أصر بأسناني حتى لا أصرخ. تظاهرت بالموت. سحبوني ووضعوني على الكوم وابتعدوا. 
ويصمت صالح خليل عيسى ويلعب بعلبة السجائر. وأنظر اليه فأرى في عينيه حزنا جامدا. وأصمت. ثم يضع هو علبة السجائر على الطاولة ويفرك أصابعه بعضها ببعض وأسمع أنا صوته مختنقا عميقا وكأنه قادم من بعيد . . 
الواقع أنه رغم كل ما حدث لي فان شيئا واحدا ما زال يعذبني . . لماذا لم أصرخ لأنبه ركاب تلك السيارة. كان بامكاني أن أنقذ حياتهم. ولكني لم أفعل. لماذا لم أهرب بعيدا عن القرية لأنبه القادمين اليها. هذا هو الذي ما زال يعذب ضميري وسيظل يلاحقني كحلم مزعج.
وأحاول أن أخفف عنه.
ويواصل كلامه
بعد أن كوموا قتلى سيارة التراك على بعد 10 أمتار منا جاءت سيارة تراك أخرى كان فيها شخصان. قتلوهما. وسمعت هدير سيارة جيب آتيه من الطريق الشرقي . . من ناحية القرية. كانت مطفأة سمعت لغطا ورأيت شخصا ينزل منها. لم أفهم الكلام أذ كانوا على بعد 20 مترا مني.
ثم عادت سيارة الجيب من حيث أتت.
وسادت فترة هدوء ورأيت القتله الثلاثة يسيرون ثم يجلسون على بئر المدرسة القريبة 10 - 15 مترا.
ثم جاءت سيارة تراك.
وينبهني صالح: لعلك لاحظت أنهم كانوا يقتلون كل فوج جديد بعيدا بضعة أمتار عن الذي قبله في الاتجاه المعاكس للقرية حتى لا يرى الفوج الجديد مصير سابقه.
ولكن السيارة التي أشرت اليها مرت عن أكوام القتلى. ويظهر أن القتلة أصبح سيان لديهم أن لاحظ الضحايا الجدد مصير الذين سبقوهم أم لم يلاحظوا.
ومرت السيارة من جانب كوم القتلى الذي كنت فيه.
سمعت أصوات نسائية.
كان في السيارة كما عرفت فيما بعد 13 امرأة من 12 سنة فما فوق، وأربعة رجال.
سمعت ولولة النساء الهامسة.
وفجأة ركض وراء السيارة القتلة الثلاثة وأوقفوها وأنزلوا ركابها.
وفكرت أنا: السيارة تبعد عني 20 - 25 مترا. وشعرت بقوة هائلة تنفضني ووقفت ورحت أركض. لم أدر كيف قفزت عن سياج أمامي. كنت أركض في اتجاه مواز للسيارة دون أن أعي.
ومثل المطر أنهمر الرصاص في اتجاهي. واختلط صوت الرصاص بزعيق النساء.
وأصوات ارتطام أجسامهم بالأرض. وأحسست بالرصاص يخترق ثيابي، عندها فقط عرفت أين أنا. انبطحت. ثم رحت أحبو على يدي ورجلي حوالي 200 متر في كرم زيتون. كنت أتصور الزيتون مملوء جيشا وسيارات عسكرية، وأنه من الممكن أن أصطدم بهم في كل لحظة.
وخلف صخرة كبيرة، تحت زيتونه، اختبأت وأنا أفكر بالموت الذي يمكن أن يغتالني في أية لحظة. وبقيت هناك حتى الصباح، والدم ينزف من جرحي في يدي ورجلي. وفي الصباح اكتشف موضعي جنديان، ونقلت إلى المستشفى.
هذا ما شهدته بعيني. ولكن قبل ما حدث معي، كانت عدة أفواج من العائدين قد أطلق عليها الرصاص.
إلى هنا تنتهي قصة الاهتمام بالعائدين كما رواها شاهد عيان... هو القتيل الذي ولد من جديد... صالح خليل عيسى. وأما بالنسبة لما حدث معه هو شخصيا، فلم يكن ذلك كل شيء. وقصته الشخصية الكاملة، سأرويها في مكان ووقت آخرين.

 

في الطريق الى كفرقاسم هذا هو مفرق كفرقاسم في المعركة مع الموت . .انتصرت الحياة صالح خليل عيسى في ظهورنا أولاد يجب أن يولدوا ما لم يشاهده صالح خليل عيسى مقبرة نشأت في يوم واحد بالعملة التنك الموت يتقهقر أمام الحياة

 

قصائد تقرير توفيق زيَّاد كفر قاسم - المجزرة والعبرة ـ 45 عامًا على المجزرة ـ مقدمة