|
ولكن ما رواه
صالح خليل عيسى لم يكن كل شيء عما حدث عصر
وليلة 29 ـ 10 ـ 56 وما لم يشاهده صالح خليل عيسى
بعينه، حدث في الطرف الآخر الشرقي للقرية ـ
ولكن بنفس الأسلوب، نفس الأوامر، نفس فرقة
حرس الحدود، ونفس النفسية التي وصفها بصراحة
وإخلاص الجندي دافيد غولدفيلد. وما لم يشاهده
صالح خليل عيسى، حدث أيضا في نفس القرية. ـ
وما حدث في قلب القرية نفسها، سمعته من آخرين.
وإليكم الحادث التالي:
أسمه: طلال شاكر عيسى
عمره 8 سنوات
بيته بجانب بيت صالح خليل عيسى.
من ساحة داره هربت عنزة. إنها لم تكن تدري بمنع
التجول، ولا أهدافه الأمنية، ولا بالمقاييس
التي لم تفرق بين الإنسان والبهيمة... هربت إلى
الشارع . وركض وراءها الطفل طلال. ومن مكان غير
بعيد، شد على زناد البندقية، وتفعفل الطفل في
التراب.
ركض أبوه على صوت الرصاصة، وخرّ هو الآخر.
ولم تفهم الزوجة شيئا مما حدث. وركضت بلا وعي
نحو زوجها وابنها. رصاصة ثالثة كومتها عليهما.
وأما نوره، الابنة رأت والديها وأخاها يسقط
الواحد منهم بعد الآخر، فما كان حظها أفضل.
رصاصة رابعة كومتها فوقهم.
أما طلال فقد لفظ أنفاسه الأخيرة. وأما أبوه
وأمه وأخته، فقد نقلوا إلى المستشفى، حيث
انتصرت الحياة على الموت.
أما الجد الذي شاهد كل ما حدث، فقد مات من
القهر في اليوم التالي...
وحدثوني... وأنا أتجول في القرية... كل قصة من
قصص المذبحة... عن عشرات الناس الذين نجوا
بأعجوبة، لأنه "ما زال في ظهورهم أولاد يجب
أن يولدوا".
ومن بينهم هنا سليمان عامر ـ 15 ستة ـ الفتاة
التي كانت الوحيدة، من بين حمولة سيارة تتألف
من 13 امرأة و 4 رجال، التي نجت. وعثمان سليم
بدير ـ 17 سنة ـ الذي بقي ليلة كاملة بين جثث
القتلى، واسماعيل عقاب بدير الذي هرب واختبأ
ليلة كاملة حتى فسد الجرح البليغ في رجله
وقطعت، وعبد الرحمن يعقوب صرصور ـ 16 عاما ـ
الأصم الأبكم وغيرهم.
وبشكل خاص، أردت أن أرى الفتاة هنا سليمان
عامر، ولكنني لم أتمكن. وعدت إلى مذكرة
النائبين الشيوعيين، ماير فلنر، وتوفيق
طوبي، اللذين كانا أول من زار القرية، وجمعا
المعلومات عن المذبحة الرهيبة، في مذكرة
للرأي العام في إسرائيل وخارجها، فأقرأ قصة
هذه الفتاة. إنني لن أعيدها، ولكنني أقتطف
الجملة التالية:
قالت "بعد أن أوقفونا، سمعت المسؤول عنهم
يتكلم باللاسلكي مع المسؤولين عنه،
ويستشيرهم فيما يجب عمله مع النسوة. بالطبع لم
أسمع ماذا قالوا له، ولكنني أعرف. بعد انتهاء
المحادثة، صفونا وأطلقوا علينا الرصاص. كان
بيننا عدد من الحبالى، وواحدة في شهرها
الثامن، هي فاطمة داود صرصور".
وأثناء تجوالنا في القرية، أشار أحد الأصدقاء
إلى إحدى الدور:
هذه دار الشهيد رياض.
وأسأل: من رياض؟
وأكثر من صوت يبادر للكلام...
إنه رياض، صبي في السابعة. عندما سمع بمنع
التجول، كانت الساعة الخامسة إلا ربعا. ركض
إلى الحقول ليستدعي أباه. وعاد معه في إحدى
سيارات التراك.. الصبي قتل، وأما أبوه، فقد
كان يجري بين الذين نجوا...
ولكن، هناك عشرات من العمال والفلاحين
العائدين، نجوا من موت محقق، ليس بسبب
اختبائهم بين جثث القتلى، وتظاهرهم بالموت،
وإنما بسبب الشجاعة الفائقة، التي أبداها
سائقو سياراتهم.
حتى في أحرج اللحظات...هناك من يتصرف بوضوح
وسرعة وشجاعة...
أحد سائقي السيارات رفض الانصياع لأمر
الوقوف، بعد أن رأى جثث القتلى المكومة. فرقة
حرس الحدود لاحقته بالرصاص. قتل واحد، ونجا
الخمسة الآخرون.
سائق آخر هو عبد الله اسماعيل عيسى، كان في
سيارته التراك 29 راكبا. رفض أن يقف. لحقوه
بسيارة جيب. وعندما اقتربوا منه، اعترض
طريقهم شيخ في السبعين، كان قد خرج من داره
القريبة ليسأل عن ابنه. هذا جعلهم يرتبكون.
الشيخ نجا، وأما عبد الله السائق الهارب، فقد
ربح وقتا، وتمكن مع ركاب السيارة من النجاة.
هذا السائق البطل توفي بعد ذلك بسنة واحدة
بحادث طرق...
وسائق ثالث هو جمعه رشيد بدير، أنقذ 25 عاملا
وعاملة بنفس الطريقة... بعد أن بنشرت عجلات
السيارة بسبب الرصاص، ساقها على الحديد.
|