|
ولأعد ثانية
إلى صالح خليل عيسى:
بعد حوالي الساعتين من اختبائي في كرم
الزيتون، رأيت ضوء كاشفاً مصوباً إلى أكوام
الخشب. كان ذلك على بعد أقل من خمسين متراً.
وبمساعدة ذلك الضوء، بدأ عدد من الجنود يجمع
القتلى في سيارة بعد سيارة. ابتدأوا بالنساء.
كانوا يشحطون الجثة ويرمونها داخل السيارة.
ثم ساد الهدوء حتى الصباح. وفي الصباح اكتشف
موضعي جنديان، وحملاني مع غيري إلى المستشفى.
ونترك صالح خليل عيسى في المستشفى، لنرى
تتابع الحوادث في القرية.
بعد نقل الجرحى إلى المستشفيات، بقي أمام
المسؤولين إسدال الستار على الفصل الأول ـ
أقصد... دفن القتلى ـ ...
أحضروا أناسا من قرية جلجولية القريبة،
وطلبوا منهم أن يحفروا سبعة وأربعين متراً.
ولم يعرف أولئك لماذا أحضروا، ولمن يحفرون
القبور؟ وكان الواحد يسأل الآخر: لمن نحفر هذه
القبور؟ قلبي يحدثني أنها لنا...
وكان من الضروري تشخيص القتلى...
أخذوا من كل عائلة رجلين وامرأة لهذه الغاية،
وكتبوا اسم كل شهيد على ورقة منفصلة.
وعند الدفن، وضعوا تلك الورقة على ظهر القبر
الخاص بصاحبها، ووضعوا فوقها حجرا... حتى لا
تطير.
كان هذا في اليوم الثالث للمجزرة، والقرية
خاضعة لنظام منع تجول شديد.
وهكذا أسدل الستار على الفصل الأول...
وفي كفر قاسم، حدثوني كيف خرجت القرية عن بكرة
أبيها إلى المقبرة... كل واحد يريد أن يسبق
الكل، وكيف انطلقوا يفتشون عن أبنائهم. إنني
أكتب بعد عشر سنوات من ذلك اليوم، ومع ذلك،
فإن ما قالوه لي عن تلك اللحظة، ليس من
الإنسانية في شيء، أن أعيد تسجيله.
وعندما ذهبت لزيارة المقبرة، قالوا لي أنها
نشأت في ليلة واحدة. المقبرة القديمة حرثها
عبد الكريم قاسم، عندما كان يعسكر في القرية
سنة 1948، وأوجد واحدة جديدة لم يكن قد دفن
فيها، قبل ذلك اليوم، غير عدد قليل. كان عمرها
ثماني سنوات، وفي ليلة واحدة، كبرت عشرات
السنوات.
على كل قبر، كتب الاسم والتاريخ. كل اسم يختلف
عن الآخر، ولكن التاريخ واحد: 29 ـ 10 ـ 1956.
وفي الوقت الذي كان يبكي أهالي كفر قاسم
قتلاهم، كان العدوان الثلاثي ما زال مستمرًا.
والعالم كله ينتفض غضبًا على المعتدين.
الحرب . . الحرب الحقيقية . . دائرة رحاها. إنها
تحرق الأخضر واليابس . . وغول العبودية
والاستعمار، يفتح شدقيه.
ووصل الوضع ذروته . . وكان الإنذار السوفييتي
الذي وضع حدًا للعدوان. وهذا لم ينقذ الشعب
المصري وحده وإنما الشرق العربي كله. ووفر على
شعبنا هنا كفر قاسم أخرى وأخرى.
وهدأ الوضع . .
والرأي العام الذي كانت تشغله الحرب بدأ يفتح
أذنيه أكثر لما جرى في كفر قاسم. وراحت تتسرب
أنباء وتفاصيل. ولكن أحدًا لم يعرف حقيقة ما
جرى تمامًا.
وتبحث الكنيست الموضوع وينجح رئيس الحكومة في
لف الطابق.
وتتحول المعركة إلى الشارع. ويقتحم النائبان
الشيوعيان ماير فلنر وتوفيق طوبي الطوق
الحديدي المضروب على القرية الذبيحة،
ويعودان بالتفاصيل المروعة. وتبدأ المعركة في
الشارع. ويهب الرأي العام اليهودي والعربي من
أجل محكمة علنية للقتلة.
وتتنكر الحكومة لهذا الطلب العادل ولكنها
تضطر إلى إجراء محكمة عسكرية سرية.
|