صفحات من تاريخ أرضنا المأساوي

 

·      الاضراب الشامل الذي اعلنه العرب الفلسطينيون في اسرائيل، في 30 آذار 1976، احتجاجا على سياسة التهويد والمصادرة، كان تأكيدا على عزم الجماهير العربية على النضال بدون هوادة والدفاع عن حقوقها القومية واليومية، ومنها حقها بالاحتفاظ بأرضها __ ارض آبائها واجدادها.

 

     ان الدماء التي سفكت في "يوم الارض"، لا تزال تصرخ: "أقبضوا على الفاعل"، "اقبضوا على القاتل والسارق"...

 

     لقد استعملت السلطة شتى الوسائل لمنع الاضراب او احباطه. استخدمت التهديد والوعيد . . قامت بعملية عرض عضلات، وادخال قوات مسلحة الى قرانا العربية، وخصوصا الى مدينة الناصرة . . نظمت اشد الضغوط على رؤساء المجالس المحلية العربية الذين جمعتهم في شفاعمرو عشية يوم الاضراب، في 1976/3/25، وانتزعت قرارا مزورا باسم اكثرية الرؤساء بالغاء قرار الاضراب، هذا القرار الذي لم يتخذه الرؤساء، بل اتخذته اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي وأيدته اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وهي لجنة منتخبة مصغرة انتخبها اجتماع عام ارؤساء السلطات المحلية العربية. اجتماع عام لرؤساء السلطات المحلية العربية.

 

     ولم تجد تهديدات السلطة واساليبها الارهابية . . فكانت نتائج الاضراب مذهلة على الرغم من سقوط الشهداء الستة برصاص الجنود وعلى الرغم من وسائل القمع الهمجية.

 

     لقد هز الاضراب الرأي العام الاسرائيلي والعالمي . . وحطم اسطورة الفردوس الذي يعيش فيه العرب في اسرائيل.

 

     لقد عبّر الاضراب عن وحدة الجماهير العربية وتصميمها على مقاومة سياسة المصادرة والتمييز القومي التي تمارسها السلطات منذ قيام الدولة.

 

     كان الاضراب ايضا تعبيرا عن المطالبة باحترام الكيان القومي للعرب في اسرائيل والاعتراف بحقوقهم القومية واليومية وعلى رأسها وقف سياسة مصادرة الاراضي.

 

إن العدوان الدموي الذي وقع على الجماهير العربية في "يوم الارض"، لا ينفصل جذريا عن سياسة التمييز والاضطهاد التي مارستها حكومات اسرائيل منذ قيام الدولة، بل هو نتيجة لهذه السياسة.

 

     ولذلك فأحداث 30 آذار 1976 ليست الا فصلا دمويا من فصول مأساة استمرت خلال 29 سنة لم تخل من مجازر دموية ضد العرب، دون ان يروا نهاية قريبة في الافق لهذه المأساة.

 

     وعلى الرغم من انفصاح اكذوبة "التطوير"، التي تخفي وراءها مخططات تهويد الارض العربية، وعلى الرغم من المعارضة الشاملة التي أبدتها الجماهير العربية في اسرائيل والقوى الدمقراطية اليهودية، فقد أعلنت الحكومة عزمها على المضي في سياسة المصادرة والتهويد، كما ولا تزال ترفض الطلب الدمقراطي العادل بتأليف لجنة تحقيق للكشف عن كل المسؤولين عن اراقة الدماء البريئة في "يوم الارض" . .

 

     وقد اصدرت لجنة الدفاع عن الاراضي بيانا في اعقاب "يوم الارض"، حذرت فيه الرأي العام بأن سياسة مصادرة الاراضي العربية هي أبرز معالم سياسة التمييز القومي الجائرة حيث لم يبق للعرب في اسرائيل من الارض أكثر من نصف مليون دونم، بعد كل ما صادرته الحكومة بشتى الوسائل والحجج.

 

سياسة احتلال الارض والتوسع على حساب العرب

·      من ملايين الدونمات التي صادرتها السلطات منذ قيام الدولة باعتبارها املاكا متروكة، للغائبين، صادرت الحكومة ايضا حوالي 40 بالمئة من الاراضي التي يملكها العرب في اسرائيل، المقيمون فيها بصورة قانونية.

     "الاملاك المتروكة كانت من أهم العوامل لجعل اسرائيل دولة ذات مقومات. ان مسطًّح هذه الاملاك، ومعظمها مناطق حدود، هو ذو قيمة استراتيجية بارزة. ومن مجموع 370 مستوطنة يهودية أقيمت بين 1948 وأوائل سنة 1954 كان اكثر من ثلث السكان اليهود في اسرائيل وثلث المهاجرين اليهود الى اسرائيل ايضا (250,000) يعيشون على اراضي الغائبين العرب ...".

 

     ولم تقتصر عملية الاستيلاء على الاراضي بوضع اليد على املاك الغائبين، ولا على "أملاك" حكومة الانتداب التي ورثتها عن الحكم العثماني والتي تقدر بــِ 2 الى 3 ملايين دونم، وكانت تدعى أرض "الجفتلك"، بل امتدت الى اراضي وقرى العرب الذين بقوا في اسرائيل.

 

     لم يكن "التطوير" هو غاية الحكومة من ا لاستيلاء على الأرض، بل تقويض اركان القطاع العربي، و"انقاذ" الارض، أي "انقاذها" من اصحابها العرب. المؤسسات الصهيونية التي كانت تشتري الارض، اشترتها لتكون "ملكا للشعب اليهودي". وهذه الاراضي يجوز بيعها لليهود فقط ولا يجوز بيعها (لغير اليهود). وكان على هذه المؤسسات أن تنتهج سياسة، بالنسبة للارض، تعبر عن جانب من السياسة الصهيونية. وكان على الكيرن كاييمت ان تجند الاموال لهذا الغرض...

 

     ويبدو ان اية محاولة، مهما تكن صغيرة، للتصرف بصورة معاكسة للعلمية المركزية التي تمسكت بها الصهيونية بأقصى شدة، كالتخلي عما جرى تحقيقه كمكسب صهيوني (مثل ارجاع ارض لأيد غير يهودية، او الغاء نقطة استيطانية وغير ذلك)، ان مثل هذا التخلي يعتبر هزيمة أكبر بكثير من بطء وتأخر عمليات الاستيلاء على الارض ... القلق من خطر إعادة وضع الى عهده السابق (مثل ارجاع حقوق اهالي قريتي اقرث وكفر برعم) اعتبره صحفي اسرائيلي (زئيف شيف، "هآرتس" __ 1972/8/11) "تقويض الاستيطان الصهيوني" .. لانه "يفتح الثغرة الاولى لتداعي البناء كله".

 

حــكم عســكري واصطيــاد الارض

     وجد العرب، الذين بقوا في اسرائيل، انفسهم في ظل حكم عسكري شديد الوطأة . . وكان هذا الحكم العسكري يستهدف أمرين: اولهما اقامة الحواجز بين العرب وبين اراضيهم وقراهم، وثانيهما تسهيل مهمة الشركات اليهودية ودائرة اراضي اسرائيل الاستيلاء على اراضي العرب وتنفيذ مشاريع الاستيطان في القرى العربية وعلى الاراضي التي يُجلى اصحابها عنها. وقد وجه الحكم العسكري جزءاً كبيراً من اهتمامه لابعاد العرب عن اراضيهم وبالتالي ابعادهم الى خلف خطوط وقف اطلاق النار حيث امكن، بفرض تنظيف مناطق الحدود من العرب.

 

     وليس مشروع تهويد الجليل، الذي انهمك حكام اسرائيل في تنفيذه في سنوات السبعين، بأمر جديد، بل انه هدف من أهداف الاستيطان الصهيوني، قبل قيام دولة اسرائيل. وقد لخص اوشـسَكين هذا الهدف في خطاب القاه أمام اللجنة التنفيذية الصهيونية عام 1937 على الوجه التالي:

 

     " . . . علينا ان نبذل جهداً للاستيلاء على مواقع بعيدة عن مراكز الاستيطان، لضمان اوسع الحدود لبلادنا. ولما وضعنا البرامج لشراء الارض كان هذا الهدف (؟) دائما نصب أعيننا: الاستيلاء على مناطق بعيدة . . ففضلا عن جودة الارض كانت تحركنا الرغبة لتوسيع الحدود مهما تبلغ المصاعب. وعلينا ان نتذكر ان قسما معروفا من مستوطنات ديغانا موجود عبر النهر، وعلى الرغم من ذلك فهو بأيدينا. هذا هو الاحتلال الحقيقي للحدود من الوجهة السياسية. وعلى أساس هذا المفهوم قررت "الكيرن كاييمت" في السنة الأخيرة توسيع نشاطها كي تضمن بأقصى سرعة ممكنة، والى الحد الذي تستطيع الوصول اليه، الحدود في الشمال والشرق ... فليس مسألة الزراعة هي ما نصبوا اليه، بل أننا نطمع، بالدرجة الاولى بأن نضمن للأمة، أوسع الحدود الممكنة لبلادنا".

 

     وكان معروفا قبل صدور قرار التقسيم سنة 1947، أن الجليل سيكون خارج حدود الدولة اليهودية .. ولكن الحركة الصهيونية كانت تعد العدة للاستيلاء على الجليل، قبل قيام الدولة. وكان هذا الهدف، موضع نقاش في الحركة الصهيونية، انتصرت فيه آراء دعاة استيطان الجليل، خصوصا هؤلاء الذين كانوا يمثلون "اليسار" الصهيوني او الحركة العمالية الصهيونية.

 

     فالقضية التي نواجهها الآن في الجليل ليست مسألة تطوير، بل مسألة تحقيق الهدف الصهيوني الذي حدده بن غوريون كما يلي:

 

     " الاستيطان نفسه هو الذي يقرر اذا كان علينا ان ندافع عن الجليل أم لا. هذا يتعلق بالناس الذين يشعرون بالواجب ويريدون الدفاع عنه. يقولون (جابوتنسكي) ان هذه هي مسألة دبلوماسية، مسألة العلاقات مع العرب (وفي الجلسة نفسها تسرب القلق الى أن مسألة الدفاع عن المستوطنات في الجليل قد تتحول الى حرب شاملة مع العرب). فالسؤال ليس دبلوماسيا (أي العلاقات مع بريطانيا) وليس مع العرب أيضا. هذه مسألة صهيونية بحتة ... مسألة تتعلق بالناس الذين يشعرون بالواجب ويريدون الدفاع".

 

     ويستطرد بن غوريون في الموضوع نفسه:

 

     "مئات الناس يستطيعون الدفاع عن مواقعنا في الجليل، طبعا اذا يؤمّن لهم الغذاء وما الى ذلك، واذا ما تلقوا العون السياسي. وواضح بدون هذا يكون الوضع صعبا. ولكن هذا كله نأخذه على عاتقنا (نحن العمال). فطالما نستطيع الدفاع __ واجبنا ان ندافع وألا نترك مواقعنا".

 

     مما ذكر اعلاه يتضح ان قرارات الحكومة، في 1976، لمصادرة الاراضي في الجليل، لا علاقة لها بالتطوير .. خصوصا في وقت كانت تعاني الدولة أزمة اقتصادية وأزمة هجرة في آن واحد. ان التستر وراء اسم "التطوير" هو للتستر على الهدف الحقيقي للمصادرة، بعد ان أصبح العالم شديد الحساسية للوضع في المنطقة بوجه عام وللنزاع الاسرائيلي __ العربي بوجه خاص.

     لقد احتلت اسرائيل اقسام الجليل التي لم تكن مخصصة للدولة اليهودية حسب قرار التقسيم، في سنة 1948، وضمتها الى اسرائيل بحق الفتح .  وكانت المنطقة التي دخلت تحت الحكم الاسرائيلي ذات أغلبية سكانية عربية ولا تزال حتى يومنا هذا. ولتغيير هذه الحقيقة فقد طرح حكام اسرائيل مسألة تنفيذ مشروع التهويد الصهيوني بأسماء مختلفة مثل "التطوير" و "توزيع السكان" . .

 

     ومهما تكن نوايا حكام اسرائيل، فلا يمكن تجاهل الحقوق القومية للعرب الذين بقوا تحت حكم اسرائيل . . وفي الدرجة الأولى حقهم في الاحتفاظ بأملاكهم وبأراضيهم.

 

     والنزاع بين حكام اسرائيل والعرب الذين بقوا في اسرائيل، منذ الساعات الاولى لقيام الدولة هو حول حق العرب في الاحتفاظ بأراضيهم، هذا الحق الذين ينكروه عليهم.

 

     واستخدم حكام اسرائيل سلاح التهديد للعرب الذين دافعوا عن اراضيهم واتهموهم بالعداء للدولة، وبالميول الانفصالية ... واتبعوا التهديد بأعمال القمع والتنكيل والمطاردة والتشريد لتحطيم مقاومة العرب لسياسة الاستيلاء على الارض التي يملكونها، أو ما تبقى منها بعد حملات المصادرة الواسعة.

 

     ان امعان حكام اسرائيل في تنفيذ سياسة الاستيلاء على الارض، وتحويل العرب في اسرائيل الى اقلية مجردة من الارض، ما هو الا عملية تذويب، بل عملية للقضاء على الكيان القومي للعرب، وأهم ما يبرز في السياسة الرسمية اليوم هو أخذ الارض بدون عرب واعتبار العرب، أقليات دينية، وليس أقلية قومية.

 

     ومهما تكن السياسة الصهيونية، فان لكل أقلية قومية حقوقا قومية فضلا عن الحقوق اليومية. ويحاول حكام اسرائيل، بشتى الوسائل، وأشدها بطشا، تجريد العرب في اسرائيل من حقوقهم القومية، وتحويلهم الى أقلية ثقافية __ دينية.

 

     وقد اعترف مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية، شموئيل طوليدانو، بأن سياسة الحكومة تجاه العرب في اسرائيل تطمس الفوارق بينهم وبين سكان المناطق المحتلة، من حيث موقف الدولة منهم.

 

     ومن الطبيعي أن النتائج المترتبة على هذه السياسة، هي من صنع حكام اسرائيل أنفسهم وهم يتحملون مسؤوليتها حتى النهاية.

 

مشورع التطوير - تهويد الارض

     بعد موجة مصادرة الاراضي في الخمسينات، من أصحابها العرب، الذين بقوا في اسرائيل، ذكرت المصادر الحكومية في عام 1957 ان القرى العربية تستثمر زهاء 1,250,000 دونم من الاراضي التي يملكونها، وحوالي نصف مليون دونم من أملاك الدولة.

 

     لاضفاء صفة قانونية على استملاك الاراضي التي استولت عليها الحكومة من أملاك الغائبين، سنت قانون استملاك الاراضي (تصديق الاجراءات والتعويض) في عام 1953. وبموجب هذا القانون، أقرت الحكومة التعويضات لأصحاب الأراضي العرب الذين صادرت أراضيهم في اسرائيل. وعلى الرغم من صعوبة تدقيق مساحة الأراضي التي صودرت من العرب في اسرائيل، فان بعض المصادر الرسمية تضع هذا الرقم بين 300,000 و 1,000,000 دونم.

 

     وقد أثار مشروع هذا القانون معارضة الكتلة الشيوعية في الكنيست وعدد من أعضاء الكنيست العرب في حزب المباي الحاكم، مثل السيد مسعد قسيس. ومعارضو هذا القانون وعلى رأسهم الشيوعيون انتقدوا التمييز القومي الصارخ الذي، ينطوي عليه. أما الحكومة فقد زعمت ان القانون المقترح يستهدف تجزئة الملكيات الكبيرة لوضع حد لخطر الاقطاع.

 

     وبموجب هذا القانون اقترحت الحكومة اعطاء أرض لاصحاب الارض المصادرة، من أملاك الغائبين، على أساس "الاعارة والتأجير" . . أو تعويضات نقدية تقل عن واحد من عشرة من قيمة الارض الحقيقية في حينه . . . في 1950 عرضت الحكومة ثمنا للدونم الواحد في بعض المناطق 115 ليرة، في حين كان سعره في السوق 1250 ليرة وما فوق.

 

     وبموجب لجنة الكنيست للقانون، فان هدف القانون هو اعطاء شرعية لمصادرة أراضي العرب مع منحهم التعويضات في الوقت نفسه.

 

     وكتبت "هآرتس" في حينه ان هدف القانون اعطاء شرعية للاستيلاء على اراضي العرب من قبل المستوطنات التعاونية التي ترغب في زيادة حجم أراضيها. وكتبت "هآرتس": "ليس هناك ما يسوغ اعطاء شرعية لحقيقة ان مستوطنات معينة استغلت انتصار الدولة في الحرب الدفاعية ضد الغزاة، للاستيلاء على أراضي جيرانهم لخدمة اغراضهم هم . . . " وعارضت "هآرتس" القانون المقترح لثلاثة اسباب هي انه مجحف، ويفتقر الى التفهم السياسي للعوامل الضرورية لاعادة بناء المجتمع العربي، "الذي تضررت حياته الزراعية باجراءات معوجة"، كما ان القانون لا يعترف بأن "الاستيلاء على ممتلكات الاقلية من شأنه أن يقوض حق الملكية الفردية".

 

     لقد أدت سياسة مصادرة الاراضي من أصحابها العرب، الى تقويض عدد من فروع الزراعة العربية بسبب تقلص مساحة الارض، وتدني مساحة الارض المزروعة بالنسبة للوحدة الزراعية في القرية من أكثر من 49 دونما في زمن الانتداب الى حوالي 3 دونمات الآن. وتحولت القرى العربية الى ثكنات للنوم، للعمال الذين يتركون قراهم للعمل في الزراعة والصناعة اليهودية، المقامة على أراضيهم التي صودرت منهم . . وحرمت القرى العربية من امكانيات التطوير الصناعي والزراعي.

 

     هذا القلق على مصير الارض، وعلى امكانيات العيش والتطور، والخوف من التشرد وعواقب سياسة التمييز القومي الفاضح في جميع المجالات، هو الذي يفسر الخلفية لهبة الاحتجاج الشعبي التي انفجرت في الاضراب الشامل في 30 آذار 1976.

 

     فقد كانت هذه الهبة تعبيرا عن رفض العرب في اسرائيل لسياسة التمييز والمصادرة التي تتهدد بالقضاء على مقومات بقاء العرب في مدنهم وقراهم.

 

     مشروع تطوير الجليل، الذي تحدثت عنه الدوائر الرسمية باعتزاز، ليس الا عملية تهويد تهدد مستقبل سكانه العرب: فالجليل الذي يمتد من حدود لبنان الى مرج ابن عامر والذي تبلغ مساحته 1,5 مليون دونم، لا تزال تعيش فيه اكثرية عربية . . وهذا هو ما يقلق أصحاب سياسة التطوير، وليس التطوير نفسه.

 

     جاء مشروع التطوير المذكورك

 

     "القضية الخاصة بالجليل هي قلة السكان اليهود بالنسبة لغير اليهود، الذين يؤلفون 70 بالمائة من مجموع السكان. في سنة 1973 كان عدد السكان غير اليهود في الجليل 147 ألفاً و 62 ألف يهودي. وفي أطراف الجليل هناك 40 ألف من السكان غير اليهود يقطنون في ضواحي حيفا وفي عكا وطمرة وشفاعمرو" . .

 

     أما أهداف مشروع تطوير الجليل فهي:

 

     تغيير الوضع الديموغرافي الراهن بين السكان اليهود وغير اليهود، بواسطة مشروع تطوير طويل الأمد أهدافه هي:

 

·      تحويل اقليم الجليل الجبلي الى منطقة ذات أكثرية يهودية.

 

·      ضمان توزيع صحيح للسكان اليهود في الجليل.

 

·      تعزيز اقتصاد السكان الموجودين فيه وهؤلاء الذين ينضمون اليهم في المستقبل.

     ويستطرد أصحاب المشروع: "ان القضية الاساسية في الجليل التي تنعكس في العلاقة الديموغرافية (أي الطابع السكاني) بين السكان اليهود وغير اليهود، هي غير قائمة، بصورة مماثلة في جميع أجزاء الجليل . . . والمهمة الرئيسية الواردة في الاقتراح __ تحويل الجليل الى منطقة ذات أكثرية يهودية __ هي غير قابلة للتنفيذ في الحاضر الفوري، ولذلك تقرر تنفيذ المشروع على مرحلتين: المرحلة القريبة حتى سنة 1980، والمرحلة التي تعقبها حتى سنة 1990".

 

     ويشتمل المشروع على اقامة 8 قرى صناعية: 3 منها في اراضي التوفانية في الجليل الغربي، و 2 منها في مجموعة مستوطنات سيجف، و 2 في منطقة حزون، وكذلك العمل على زيادة السكان اليهود في المنطقة.

 

     وهذا المشروع يتطلب المزيد من الارض التي يملكها العرب لتنفيذ هذا المخطط، لان من طبيعة الاستيطان الجديد والتوسع، ألا يقوم على ما هو في حوزة إدارة أراضي اسرائيل الحكومية، بل على استملاك أراض جديدة من العرب.

 

     ومشروع "التطوير" الجديد، هو اصدق شاهد ودليل على نوايا الحكومة وعلى معنى التطوير الذي يتحدث عنه المسؤولون.

 

     وكانت نظرية الصهيونية في التعامل مع العرب هي: ما أصبح في يدنا هو لنا، وما لا يزال في يد العرب، هو المطلوب، وهو موضوع التفاوض.

 

     فبعد تشييد الناصرة العليا، على حساب أراضي مدينة الناصرة العربية وقرى عين ماهل والرينة وكفركنا والمشهد، تحاول الحكومة الآن مصادرة آلاف الدونمات الجديدة في الناصرة وقضائها، بما تبلغ مساحته أكثر من 4500 دونم، لتوسيع المجال الحيوي للناصرة العليا، ولتشديد الخناق على الناصرة، المدينة العربية الوحيدة في اسرائيل.

 

     فالناصرة العربية التي كان تعداد سكانها حوالي 40,000 نسمة، فان مسطح المدينة وجميع ما تملكه من ارض تقلص الى 7,500 دونم، ثلثها أملاك اديرة وأملاك حكومية . . بينما أراضي الناصرة العليا التي لا يزيد عدد سكانها عن 20 ألف نسمة تبلغ 9,500 دونم. ومن الجدير بالذكر ان مسطح الناصرة في عهد الانتداب حين كان عدد سكانها 15 ألف نسمة كان 15 ألف دونم. استولت الحكومة الاسرائيلية على نصفها من أجل الاستيطان اليهودي في الناصرة العليا.

 

     ان سياسة الحكومة لحل أزمة مسطحات البناء في القرى العربية التي تعاني نقصا في الارض لبناء المسكن، هي سياسة البدل . . دونم أرض للعمار في القرية من أرض حكومية مقابل 10 دونمات أو أكثر من الارض الزراعية أو الوعرية التي يملكها الفلاحون . . وهذا الاسلوب القسري هو أيضاً احدى وسائل تجريد العرب من أراضيهم.

 

     يتحدث مشروع "التطوير" عن مصادرة 20,000 دونم، قيل ان 8,000 منها أرض حكومية، و 5,000 أرض يهودية . . ان الارض الحكومية التي يجري الحديث عنها، ان كانت ميري او موات، فللمزارعين العرب حقوق فيها بحكم المزارعة ومرور الزمن. ولا يجوز نزع ملكيتهم عنها دون مراعاة مصالح القرى والمزارعين العرب.

 

     أراضي القرى المسجلة على اسم المندوب السامي البريطاني في حينه، لمصلحة القرى التي توجد فيها الارض، هي أملاك دولة بالاسم . . والحقيقة انها أرض تخص سكان القرى سجلت بهذا الاسلوب لانعدام سلطات محلية في حينه . . وليس أحق بهذه الارض سوى أصحابها الذين يقيمون عليها، خصوصا وأن هذه الاراضي هي حيوية جدا بالنسبة للقرى العربية. وهناك خلاف في المحاكم على ما يتراوح بين 60__70 ألف دونم، حسب تقديرات المحامي حنا نقاره، وهناك قضايا معلقة في المحاكم على قسم كبير من هذه الاراضي . .

 

     الى جانب "مشروع التطوير" للجليل، هناك مخططات أخرى للمصادرة لم يعلن عنها بقرار حكومي كالمشروع المذكور. وهذه المخططات يجري تنفيذها دونما ضجة شعبية. وتشمل عشرات آلاف الدونمات من الاراضي العربية.

 

     ان قرار اغلاق قسم كبير من اراضي المل، في الجليل الاوسط، التي تخص قرى سخنين وعرابة وديرحنا، والمعروفة بالقاموس العسكري بالمنطقة رقم __ 9، هو مقدمة لمصادرة قسم كبير منها تزيد مساحته عن جميع المساحة المقرر مصادرتها بموجب "مشروع التطوير" المذكور.