المخطط القطري (تاما)
35 والعرب
- كلام كالعسل وفعل كالأسل*
بقلم: الدكتور حنا
سويد
رئيس مجلس محلي
عيلبون
وعضو المجلس
القطري للتنظيم والبناء
(*الأسل:
الرماح وكل حديد رهيف من سيف وسكين. يضرب في
اختلاف القول والفعل)
-1 مقدمه:
أن التوجه الأساسي للمخطط القطري رقم 35 (تاما 35)
نحو المواطنين العرب في البلاد يتلخص في
تكريس وتثبيت الوضع القائم الذي نشأ نتيجة
سياسة تمييز مبرمج وأهمال مستمر على مدار
العقود الخمسة الماضيه. ورغم أن المبدأ العام
للمخطط ينص على ضرورة تغيير منهج التطور في
البلاد والأستجابه للأحتياجات الحقيقيه
لكافة قطاعات المجتمع, الا أنه يتعامى عن
غالبية الأحتياجات الملحه للعرب ويتعمد عدم
معالجتها وتوفير الحلول لها متذرعا بأعذار
شتى. أذ يدعي القيمون على المخطط بأنه ليس
بمقدورهم تقويم كل تراكمات الماضي السلبيه
رغم أعترافهم الصريح بها وبمسبباتها
وبمسؤولية الحكومات المتعاقبه عنها. وأبرز ما
في هذا الأعتراف تأكيد المقوله بأن التخطيط
والتنظيم يشكلان أداة سلطويه للقمع والتضييق
على العرب والسيطره على الأرض.
وكنا قبل ما يقارب العامين قد استبشرنا
خيرا بالمبادرة لوضع مخطط شمولي يوجه تطور
البلاد لغاية آخر العقدين الأولين من الألفيه
الثالثه - أي لغاية العام 2020
. وكان الأمل يتغذى من تصريحات طاقم المخططين
القيمين على أعداد المخطط بأنهم سيعتمدون
مبادئ المساواه لكافة شرائح المجتمع من خلال
الأستجابة لحاجاتها الحقيقيه, والديمقراطيه
والتعدديه الثقافيه وحقوق الأنسان والعداله
الأجتماعيه والتنميه المتوازنه والمستديمه
وأشراك الجمهور في مسارات التخطيط والتنظيم.
وكلها أسس عصريه تنادي باحترامها وتطبيقها
المنظمات الدوليه المعنيه بالتنميه والتخطيط
الأستراتيجي وحماية حقوق ومصالح الأقليات.
حتى أنا كنا نسمع أحيانا بعض القيمين على
المخطط يؤكدون التزامهم بمعالجة نتائج سياسة
التمييز والأهمال ضد المواطنين العرب,
وبضرورة أتباع سياسة "التفضيل" لأصلاح
الغبن اللاحق بهم في كافة مجالات الحياه.
هكذا أقبلنا على المبادره لأعداد المخطط
تاما 35, آملين بأن الظلم
الواقع علينا "يشفع لنا" لدى القيمين
عليه. وأما النتيجه التي خرجنا بها فتذكرنا
بما قاله الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي
فالحقيقه التي
تتكشف من الدراسه الموضوعيه للمخطط, بكل
مركباته, تشير ألى أن التصريحات والنوايا
الطيبه المشار أليها قد تبددت وذهبت هباء, ولم
تترجم فيه ألا بالنزر اليسير. فحظنا من التطور
تحت مظلة المخطط سيكون أسوأ مما كان عليه
بدونه, أو لنقل أن المخطط يسد علينا آمالا
وتمنيات واستحقاقات حان أوانها. والتبرير
لهذه النتيجه المخيبه للآمال يتمحور في
الأدعاء بأنه ليس باستطاعة المخطط تعديل
واصلاح كل التراكمات السلبيه القائمه, وان
غالبية القضايا المؤلمه للعرب هي خارج نطاق
صلاحيته. ولكن يجب النظر الى هذا الادعاء بقدر
كبير من الشك, أذ بالمقابل يتم عرض المخطط في
الاوساط اليهوديه على أنه شمولي وأستراتيجي
ويعالج مجمل قضايا البلاد والمجتمع ويوفر لها
الأجوبه والحلول الشافيه.
-2 خلاصة
المخطط:
يأتي مخطط تاما 35 ليستبدل
المخطط تاما 31
(الذي وضع في أوائل التسعينيات لتنظيم
استيعاب أفواج الهجره اليهوديه المكثفه).
ويقع في ثلاثة أجزاء رئيسه هي: 1) الأسس والتوجهات
العامه, 2)
الخرائط والتعليمات المتعلقه بها, 3) خطة التنميه
والتطوير والوسائل المقترحه لتطبيقها.
يتوقع المخطط أن يصل تعداد سكان البلاد
عام 2020 ألى 8.8
مليون مواطن منهم 2.2 مليون
عربي (أي نسبة 25% من
السكان). ولاستيعاب هذه الزياده السكانيه
ستكون هناك حاجه لبناء حوالي 50 ألف
وحده سكنيه جديده كل عام, بالأضافه لبناء
المصانع والورش والمرافق العامه والبنيه
التحتيه. ويتوقع ان تزداد مساحة مسطحات
البناء لكافة المدن والقرى في البلاد, والتي
تبلغ اليوم 1.2 مليون
دونم, بحوالي 600
ألف دونم أضافي لتبلغ 1.8 مليون
دونم. ويحدد المخطط أهم أهدافه بتقييد توسيع
مسطحات البناء والتطوير, وبالمحافظه على
المناطق المفتوحه وحماية الطبيعه, وانتهاج
سياسة رص المدن وزيادة الكثافه السكانيه في
المناطق المأهوله وعدم أقامة بلدات جديده.
-3 تقييم
المخطط من وجهة نظر العرب
وأزاء مخطط شمولي كهذا لا بد من وضع
المعايير العامه التي يجب اعتمادها في تحليله
وفهم مدلولاته على مستقبل العرب وآفاق تطورهم
في البلاد. ويمكن تلخيص هذه المعايير كالتالي:
أ- أحترام المخطط
للهويه الحضاريه-الثقافيه للمواطنين العرب
ولرموزهم الوطنيه والقوميه في البلاد,
ب- مساهمة المخطط
في حل مشكلة القرى والتجمعات العربيه غير
المعترف بها في النقب والجليل,
ج- أستجابة المخطط
لمطلب توسيع مسطحات البناء ومناطق النفوذ
للبلدات العربيه, وحماية ما تبقى من الأراضي
العربيه من المصادره والسيطرة,
د- توفير المخطط
لأرضيه تسمح بتحقيق تنميه حقيقيه وتطوير
أقتصادي يخرجان المواطنين العرب من طوق
البطاله والفقر.
ورب قائل أن هناك معايير أخرى, وبالأحرى
مطالب عادله, نتوخى أن يستجيب لها المخطط أو
يعالجها معالجة جديه. وهذا وارد وممكن. ألا
أنه يمكن, باعتقادي, أدراج السواد الأعظم من
مطالبنا بتحقيق المساواه ضمن المعايير
الأربعه المذكوره, والتي تتناول السياسه
والتوجهات العامه لمؤسسات التنظيم والبناء
في البلاد سابقا ولاحقا.
وقبل الولوج في تحليل المخطط وعرض
محتوياته نذكر أنه أفرد فصلا خاصا لاستعراض
متطلبات التطوير لدى العرب. والكلام في هذا
الفصل متفائل ومعسول عامة, ألا أنه لم يترجم
ألى برنامج عمل ملزم, ولا يضع جدولا زمنيا
لتنفيذ التصورات التي يطرحها.
ولا يفوتنا أن نؤكد أن هذه الدراسه تتناول
بالأساس الخطوط العامه للمخطط, ولا تتوقف عند
العديد من التفاصيل المحدده التي تتعلق
بمناطق أو ببلدات عربيه دون غيرها, وهي كثيرة,
ولكن المجال لتحليلها وتمحيصها يتعدى القصد
من وراء الدراسه الحاليه.
-4 أحترام
الهويه الحضاريه-الثقافيه للعرب ودور لجان
التنظيم
غالبا ما يخول المخطط لجان التنظيم
اللوائيه والقطريه صلاحية أقرار مخططات تشذ
عن القواعد والتعليمات العامه التي يضعها,
مثل أقامة مناطق صناعيه وتجاريه جديده وتوسيع
شاسع لمسطحات البناء والتطوير وغيرها. كما
ويكلف المخطط لجان التنظيم اللوائيه, على وجه
الخصوص, بوضع التفصيلات الدقيقه والأجراءات
العمليه لتنفيذ السياسه العامه والتوجيهات
الشموليه التي يطرحها. فمثلا, يعتمد المخطط
نظام التمايز العرقي-الثقافي في الأسكان
كمبدأ عام, بمعنى أعطاء الحق للمجموعات
المتمايزه عرقيا وثقافيا في المجتمع (يهود -
عرب, علمانيون - متدينون وغيرها) باختيار
أماكن سكنها المستقله التي تضمن وتحقق وتحترم
تميزها. ويكلف المخطط لجان التنظيم اللوائيه
أجراء مسح لاحتياجات التجمعات السكنيه
المختلفه من مؤسسات ومعاهد توفر وتترجم
المضمون الحقيقي لتميزها العرقي-الثقافي.
لكن الواقع يشير ألى أن اللجان اللوائيه
للتنظيم والبناء في البلاد تفتقد, سواء
بتركيبتها أو بسياستها, التعدديه الأثنيه-الثقافيه
التي يوصي بها المخطط, والقاعده المنطقيه تنص
على أن فاقد الشيء لا يعطيه. أذ تقل نسبة تمثيل
العرب في اللجان اللوائيه في البلاد عن 1% من
مجمل الأعضاء. ففي لواء الشمال مثلا, حيث تربو
نسبة العرب على 50% من
السكان, يشغل عضوية اللجنه اللوائيه عضو عربي
واحد (من بين 17 عضوا),
وتخلو مكاتب اللجنه وجهازها الضخم من أي موظف
أو مخطط أو مهندس عربي. وكمثال صارخ على نهج
هذه اللجنه بالذات, نذكر موقفها وتقييمها
مؤخرا لمخطط "متروبولين حيفا" الذي يشمل
غالبية البلدات العربيه في لوائي الشمال
وحيفا. أذ تستهجن وتستنكر اللجنه اللوائيه
أياها توصية مخطط "متروبولين حيفا"
بضرورة بناء عدد أكبر من وحدات السكن
للعرب في المنطقه, وذلك لأنهم بأمس الحاجة لها
بالمقارنه مع المواطنين اليهود, وتعتبر ذلك
أمرا "يستحيل الأقتناع به تحت أي ظرف من
الظروف". وفي هذا الموقف دلالة كبرى على
سياسة اللجنه ونواياها الحقيقيه تجاه العرب.
فكيف يمكن أن تكلف لجنه لوائيه كهذه بتنفيذ
مهمات تتطلب رؤية ثقافيه تعدديه مخلصه
وموضوعيه ؟ وكيف يمكن أن يعهد للجنة كهذه أو
غيرها بالتحكم بمصائر البلدات العربيه الا
أذا كان الهدف من ذلك فعلا تنصيبها رقيبا
وموجها لسياسة التهويد والتمييز المعادي
للعرب ؟ وبالرغم من القناعه التي نجحنا في
تشكيلها لدى القيمين على تاما 35 بضرورة
معالجة تركيبة لجان التنظيم اللوائيه وتأمين
تمثيل نسبي لائق للعرب فيها, ألا أنهم أختاروا
تجاهل الأمر رغم أدراكهم أنه تكريس للسياسه
وللمارسات المعهوده.
أن التجربه الطويله والمريره تشهد على
دهاء ومكر أذرع السلطه المختلفه, وفي مقدمتها
لجان التنظيم اللوائيه, في تنفيذ القوانين
والمخططات العامه, والتي قد يبدو بعضها في
ظاهره منصفا وموضوعيا, تنفيذا جائرا ومتحيزا
ضد العرب. وهذا ما يجعلنا نتخوف ونشكك في
الوجه الذي ستنفذ عليه مقولة التمايز العرقي-الثقافي
في المخطط. أهي تحصيل حاصل فقط؟ أم هي كلمة حق
قصد بها باطل ؟ أم استجابه ظاهريه للمطلب
العادل باحترام الهويه الحضاريه-الثقافيه
للعرب ؟ أم أنها غطاء للسياسه المنتهجه بمنع
العرب من السكن في القرى والمستوطنات
اليهوديه ؟ ومما لا شك فيه أن تطبيق سياسة
الفصل العرقي-الثقافي في الأسكان, دون ضمان
متطلبات تطوير البنيه التحتيه في البلدات
العربيه, وأثراء المؤسسات الثقافيه
والتربويه والحضاريه فيها بمضامين أصيله
سينتهي بتكريس واقع الفصل العرقي العنصري - أو
ما نسميه أبارتهايد.
ومما يبرر هذا التخوف ان أجزاء المخطط
المختلفه لا تكون ملزمة في التنفيذ بنفس
القدر. وكما أسلفنا, فالمخطط يحوي ثلاثة أجزاء.
وفي حين أن الجزء الثاني - الخرائط والتعليمات
- يأخذ وضعيه قانونيه ملزمه حال أقراره في
المجلس القطري للتنظيم والبناء, تبقى
التوجهات العامه وخطة التنميه والتطوير
بمثابة توصيات غير ملزمه لمؤسسات التنظيم
وللحكومه. وللأسف, فأن الجزء الأكبر من
التقييدات ومعوقات التطوير على العرب تقع في
الخرائط والتعليمات الملزمه, بينما تقع
المحفزات المتواضعه للتطوير في التوصيات
التي أعلنت الحكومه (على لسان ممثل وزارة
الماليه في المجلس القطري للتنظيم والبناء)
أنها لا تلتزم بها بتاتا. وبالنتيجه فأن
المخطط يفرض التقييدات حالا وسريعا, ويعد
بالتطوير الذي ما زلنا بانتظاره منذ خمسين
عاما ونيف. وكما يبدو, والحال هذه, فأن
الأنتظار سيطول.
وفي مجال رعاية الهويه الثقافيه
والحضاريه للعرب في البلاد فأن المخطط يكرس
الوضع القائم ولا يأتي بأية خطوة جديده ألى
الأمام. فرغم اعتماده مبدأ التمايز العرقي-الثقافي
في الأسكان, كما أسلفنا سابقا, ألا أنه يوصي
بأن تكون مؤسسات التعليم والأبحاث والثقافه
والترفيه والعمل والقضاء والمكاتب الحكوميه
مشتركه. ومن مثلنا يعرف أن "الشراكه" في
هذه البلاد تعني عمليا تركيز المؤسسات
المذكوره في البلدات اليهوديه مما يبقي مبدأ
التمايز خاويا وخاليا من أي مضمون. فالمخطط
يضمن أن يواصل العرب السكن في بلداتهم, وأن
يتزوجوا ويأكلوا وفق تقاليدهم وعاداتهم, ولكن
بدون أي مظهر حقيقي من مظاهر الثروه الحضاريه
والثقافيه من جامعات, ومعاهد دراسات وأبحاث,
ومراكز للتراث والموسيقا والفولكلور,
والمسارح وغيرها.
ومن الخطوات التي اقترحت لترجمة احترام
المخطط للهويه الحضاريه والدينيه للعرب أن
يضمن المحافظه على المساجد والكنائس
والمقابر في القرى المهجره والمدن المختلطه
من العبث والخراب وسوء الأستعمال. وغني عن
البيان مدى أرتباط العرب بهذه المقدسات دينيا
ووجدانيا ووطنيا وحضاريا. ولكن المخطط تجاهل
هذا المطلب, رغم اهتمامه بالمقابل بصيانة
الرموز القوميه اليهوديه, وترك ما يخص العرب
عرضة للأنتهاكات كما حصل في مقبرة القسام
ومسجد الغابسيه والعشرات من المساجد
والمقامات والأضرحه في كافة أنحاء البلاد.
وهناك قضية هامه أخرى نرى أن المجال
لأثارتها هنا, ألا وهي وضع العرب في المدن
المختلطه. ولعلنا نذكر أن ما يزيد عن 90 ألف
عربي يسكنون في المدن المختلطه (باستثناء
سكان القدس والقرى العربيه التي تتبع لمجالس
أقليميه يهوديه), أي ما يقارب 10% من
العرب في البلاد. والنهج السلطوي بتطبيق
التربيه على العدميه القوميه والتجهيل لدى
عرب يافا وعكا واللد وغيرها من المدن
المختلطه لا يقل شراسة عن سياسة التمييز في
السكن والبنيه التحتيه والخدمات البلديه
التي تعاني منها الأحياء العربيه. والمخطط
يذكر العرب في المدن المختلطه ولكن من خلال
ترديد عبارات عامه ومستهلكه مثل "ضرورة رصد
الميزانيات الحكوميه .. وأعداد خطط التطوير ..
وبناء الأحياء السكنيه الجديده .. وبناء
المؤسسات التعليميه" وغيرها (ألأسس
والتوجهات العامه, الفصل 7.6). والسؤال الذي
يطرح نفسه: لماذا لم تحظ قضايا الأحياء
العربيه في المدن المختلطه بالأهتمام الذي
حظيت به أحياء اليهود المتزمتين (الحريديم) في
المدن اليهوديه (الأسس والتوجهات العامه,
الفصل 7.7)
؟ وخاصة من وجهة الأشكالية الناشئه عن سكن
أقليه عربيه متمايزه قوميا وثقافيا في ما
يشبه الغيتوات بين ظهراني أغلبيه يهوديه
تمارس مؤسساتها التمييز ضدهم. وكيف يمكن أن
تضمن تعليمات المخطط أن يتم بناء حي عربي جديد
في الرمله مثلا (أذا تم ذلك فعلا!) بالنمط الذي
يتناسق مع الميزات الاجتماعيه والثقافيه
والحضاريه للعرب فيها؟
ولا عجب في أن يستن المخطط هذا المنهج من
التحايل والتنكر للخصوصيات الأثنيه-الحضاريه-الثقافيه
للعرب. ففي مجال عرضه للأهداف العليا التي
يسعى لتحقيقها يؤكد السعي "لتطوير البلاد
... وترجمة قيمها كدوله يهوديه, ومجتمع يستوعب
الهجره (اليهوديه طبعا), وكدوله ديموقراطيه"
(الأسس والتوجهات العامه, البند 2
أ). وطبقا للترتيب المذكور من
الأولويات يأتي الأهتمام بترجمة القيم
الديمقراطيه, التي قد تندرج فيها قضايا
التعدديه وحقوق العرب, في الدرك الأسفل من
المهمات المطروحه للتطور خلال العقدين
القادمين. ويمكن القول بأن النقاش في الدوائر
السياسيه والاكاديميه حول ماهية الدوله,
وبتأكيد بعض الأوساط على أن أسرائيل هي دوله
يهوديه-ديمقراطيه, قد قطع شوطا أبعد مما توصل
أليه القيمون على تاما 35.
وتعقيبا على السعي لاستيعاب الهجره
اليهوديه كأحد أهداف المخطط العليا, فأن بعض
الأوساط في البلاد تطرح السؤال التالي: هل وضع,
من وجهة النظر المهنيه للتخطيط الأستراتيجي,
حد أقصى أو حد أمثل لعدد السكان في البلاد
بحيث يمكن للموارد الطبيعيه القائمه (مثل
الأرض, المياه وغيرها) أن توفر له مستوى معيشه
متقدم يضاهي أوروبا مثلا ؟ أو بصياغة أخرى: ما
هو عدد السكان الأمثل لأسرائيل بمواصفاتها
الجغرافيه والطبيعيه المعروفه؟ لا شك في أن
طرح هذا السؤال في المجتمعات التي تتكاثر
طبيعيا, بدون استجلاب المهاجرين, قد يثير
أشكاليات عديده كما هو الحال في الهند أو
الصين أو مصر. ولكن السؤال في أسرائيل موضوعي
وشرعي للأسباب الثلاثه التاليه. الأول, أن
كافة المخططات القطريه واللوائيه, وتاما 35 من
ضمنها, تدعو ألى ترشيد استغلال الأراضي لضيق
رقعة البلاد, وللحذر باستهلاك الموارد
الطبيعيه الشحيحه, وللمحافظه على البيئه.
والثاني, أن أسرائيل ليست بمواصفات كندا أو
أستراليا حيث تتوفر موارد طبيعيه لا تنضب مما
يسمح لهذه الدول بفتح باب الهجرة اليها.
والثالث, أنه من الطبيعي أن يفوق حق المواطن
الأصلي في البلاد ونسله (عربيا كان أم يهوديا)
بالأستفاده من موارد البلاد حق المهاجرين
المحتملين أليها أيا كانوا. فهل يمكن, وفق
اعتبارات موضوعيه بحته, أبقاء باب الهجره
اليهوديه الى البلاد مشرعا على مصراعيه دون
الأخذ بعين الأعتبار قدرة الأستيعاب القصوى
للموارد المتوفره, ودون أفراغ القيم
الديمقراطيه من مضمونها؟
ومن أهداف تاما 35 المعلنه
والضمنيه ما يسمى "تقوية الجليل والنقب
والقدس". ولا يخفى على أحد أن التقويه تأتي,
خجلا, استعارة وكناية عن التهويد. والترجمة
العمليه لها تكون بتشجيع اليهود, مهاجرين
ومحليين, بالاستيطان والسكن في هذه المناطق
مقابل منحهم امتيازات ملحوظه (وألا لما
استجابوا للتشجيع). ولهذه السياسه ثلاثة
تأثيرات سلبيه على العرب. الأول معنوي, وهو أن
هذه المناطق تبقى "ضعيفه" ما لم تعزز
بالسكان اليهود المستجلبين أليها ليصبحوا
أغلبيه سكانيه واضحه فيها. والثاني, وهو أن
تشجيع اليهود على الأستيطان في هذه المناطق
يزيد من المنافسه غير المتكافئه على مواردها
واستنزافها (وخاصة الأرض), وهو ما ينتهي عادة
بخسارة العرب. والثالث, هو أن الجلبه حول
تطوير هذه المناطق بشكل مكثف يثير حفيظة
منظمات حماية الطبيعه والبيئه, التي تقوم
بدورها بفرض تقييدات صارمه على التطوير
وتوسيع مسطحات البناء, فيتضرر منها العرب
بالأساس.
-5 سياسة
الأسكان والموقف من البلدات العربيه
يأتي المخطط القطري ليكرس الوضع القائم
لدى العرب والسياسه الرسميه التي أفرزته, حيث
تبرز بين طياته التوجيهات التاليه:
أ- عدم أقامة
بلدات جديده في البلاد (التعليمات, البند 10.4),
باستثناء منطقة النقب حيث تخطط السلطات
لاقامة 3-4 قرى
عربيه جديده تمهيدا لهدم حوالي 50 قريه
عربيه غير-معترف بها ونقل سكانها ألى القرى
المزمع أقامتها. كما وتنوي السلطات أقامة 6-7
مستوطنات يهوديه في نفس المنطقه,
رغم عدم الحاجه الموضوعيه لها, بهدف تحقيق "التوازن
الديمغرافي" مع العرب. ولا يأتي المخطط بأي
جديد حول القرى والتجمعات العربيه غير
المعترف بها في الجليل.
ب- فرض قيود صارمه
على توسيع مسطحات البناء (التعليمات, الفصل 8). وهذا يعني عمليا
الخنق لمن هم بأمس الحاجه لتوسيع المسطحات (العرب)
وترك الآخرين لينعموا بما أغدق عليهم طوال
السنين الماضيه.
ج- تغيير وضع
غالبية البلدات العربيه (بمعايير التخطيط
والبناء فقط) من قرى الى مدن (التعليمات, الفصل
5),
مقابل الأهتمام الشديد بالمحافظه على الطابع
القروي للمستوطنات اليهوديه (التعليمات,
البند 9.2).
وجزافا يعرض هذا التغيير على أنه في مصلحة
البلدات العربيه, فالقصد الحقيقي من ورائه هو
فرض أنماط البناء المكثف فيها لأظهار عدم
حاجتها لمسطحات بناء أكثر اتساعا. فمثلا, يحدد
المخطط الحد الادنى لكثافة البناء المسموح
بها في سخنين وعرابه ودير حنا بواقع5-6 وحدات
سكن للدونم الواحد, في حين يبقي على الكثافه
في المستوطنات اليهوديه المجاوره منخفضه لا
تتعدى وحدتين سكنيتين للدونم . أما
الامتيازات التي تتمتع بها المدن في البلاد
مثل ميزانيات التطوير الدسمه وفرص العمل
وأقامة المؤسسات الحكوميه وهبات الاسكان
للأزواج الشابه وغيرها فتبقى ضمن التمنيات
التي لا يبشر المخطط بتحقيقها في "المدن
العربيه العتيده".
وللأمانه العلميه في التقييم نذكر أن
المخططين تبنوا المطلب بتخفيض الحد الأدنى
للكثافه السكانيه في البلدات التي تقبع في
درك السلم الأجتماعي-الأقتصادي (ما دون
الدرجه 4
حسب تدريج دائرة الأحصاء المركزيه)
بنسبة 30%,
وحيث يزيد متوسط عدد أفراد العائله على 4.5 فردا
بنسبة أضافيه تبلغ 20%. ولا شك في أن بعض
البلدات العربيه ستستفيد من هذه التسهيلات (التعليمات,
البندين 8.4 و-
8.5).
لم تبادر السلطات الرسميه المعنيه منذ
قيام الدوله بأقامة أية بلده عربيه جديده, ولم
تسمح لمبادرات ذاتيه بهذا الشأن, خاصة في
المثلث والجليل. أما القرى العربيه التي
أقيمت في النقب منذ مطلع الثمانينيات فكانت
ضمن مخطط "تركيز البدو" تمهيدا لسلب
أرضهم ومصادرتها بعد تفريغها من أصحابها. لذا
أصبحت هذه القرى تجسيدا حيا لسياسة الاهمال
والتمييز الرسميه تمشيا مع الهدف الرئيس من
اقامتها - أي التهويد والأستيلاء على الارض
العربيه. والانكى من ذلك أن السلطات الرسميه
دأبت على عدم الاعتراف بعشرات القرى
والتجمعات والاحياء العربيه القائمه في
الجليل والمثلث والنقب, وضيقت على المواطنين
فيها طمعا في أجلائهم عنها.
وفي ظل هذه السياسه المستمره, لا عجب في أن
تضخمت الغالبيه العظمى من القرى العربيه
واكتظت بالسكان دون ان تحظى بالتخطيط الملائم
الذي ينظم اتساعها, ولا بمسطحات البناء التي
تيسر ذلك. وبوجه عام تفوق الكثافه السكانيه في
البلدات العربيه تلك التي في الوسط اليهودي
بعدة أضعاف, على الرغم من أن غالبية المدن
الكبرى والمكتظه في البلاد تسكنها أغلبيه
يهوديه مطلقه. فعلى سبيل المثال, تفوق الكثافه
السكانيه في "قرية" جسر الزرقاء, التي
يبلغ تعداد سكانها حوالي عشرة آلاف نسمه,
الكثافه في تل أبيب - أكبر مدن البلاد وأكثرها
اكتظاظا.
وبالمقابل تنعم غالبية القرى التعاونيه
والمستوطنات والبلدات اليهوديه بمسطحات
شاسعه وكثافه سكانيه متدنيه ووفره من أراضي
البناء والحرف والصناعه, نظرا للعنايه
الفائقه التي أولتها وتوليها بها دوائر
التنظيم والبناء والمؤسسات الحكوميه
والصهيونيه ذات العلاقه. وقد تسنى هذا الوضع
المريح, بالرغم من التزايد السكاني لدى
اليهود واستيعاب أفواج الهجره المتواصله,
نتيجة التزام الدوائر المختصه بتحديد سقف
أقصى من السكان لكل مستوطنه لا يسمح بتجاوزه,
وببناء مستوطنات جديده لاستيعاب الزياده
السكانيه الفائضه في المستوطنات القائمه,
وبأغداق أراضي الدوله مجانا عليها. وبهذا
حققت هذه الدوائر هدفين أساسيين: المحافظه
على جودة حياة المواطنين اليهود ومستوى
معيشتهم في مستوطناتهم القائمه, واستغلال
الاراضي المفتوحه والسيطره عليها بأقامة
مستوطنات جديده, وبوسائل أخرى.
ويبلغ المخطط أحدى ذرى "النزاهه
والمساواه" الشكليه فيه عندما يخصص ملحقا
سمينا من ملحقاته لاستعراض كل القرى اليهوديه
(فقط) في البلاد وعددها 715 قرية,
حيث يذكرها بالأسم ويحدد عدد قسائم البناء
المخططه فيها (التعليمات, الملحقان 2 و- 3).
ويأتي هذا من باب الحرص على نمط تطور هذه
القرى, والمحافظه على طابعها الريفي ومستوى
معيشة سكانها, وترضية للمؤسسات الصهيونيه
التي ترعى وتغذي هذه القرى.
لقد أنتهجت الكيرن كاييمت وسلطة حماية
الطبيعه سياسة تحريج الاراضي المتاخمه
للبلدات العربيه والمحيطة بها كمظهر من مظاهر
السيطره اليهوديه على الارض, ولتقييد حركة
المواطنين العرب عليها, ناهيك عن تحريج
مسطحات القرى المنكوبه عام 1948
لطمس معالمها وجعلها أثرا بعد عين.
ونتيجة لذلك فأن عددا لا بأس به من البلدات
العربيه قد وجدت نفسها مع مرور الزمن وسط
مناطق يصنفها المخطط كمحميات طبيعيه ويفرض
القيود على التطوير فيها. لذلك تصطدم مطالبة
البلدات العربيه بتوسيع مسطحاتها على
الاراضي المحيطه بها بمعارضة شديده ومتنفذه
ممن يدعون حماية الطبيعه والبيئه, رغم أن
ممارساتهم في التحريج توجهها عوامل وحسابات
سياسيه محضه. ويشهد على ذلك التساهل والتعاطف
الذي تحظى به المستوطنات اليهوديه عندما تنوي
توسيع مسطحاتها لشتى الأهداف والمقاصد. ويوفر
المخطط الجديد لمنظمات حماية البيئه الوسائل
القانونيه لعرقلة توسيع مسطحات البناء
واستنزاف المبادرين لذلك بشتى الفذلكات
والتقييدات (التعليمات, البند 9.3.1 ج).
ومن بين مجمل ممارسات التمييز ضد العرب في
البلاد, يبقى مسلسل هدم البيوت الذي تقوده
مؤسسات التنظيم والبناء أكثرها قسوة وفظاظه.
وكان من الأجدر بالمخطط أن يطرح الحلول لهذه
المشكله المزمنه التي تهدد ما يزيد عن عشرة
آلاف بيت عربي في أرجاء البلاد. فكيف يمكن
لمخطط جدي يسعى حقا لتوفير الأرضيه التنظيميه
لبناء عشرات الآلاف من المساكن الجديده كل
عام أن يتعامى عن الخطر المحدق بأكثر من عشرة
آلاف بيت قائم ومسكون؟ وأي بشرى أنسانيه يحمل
المخطط لأصحاب هذه البيوت الذي يحسبون كل
ضوضاء خارج بيوتهم أصوات جرافات الهدم
والأقتلاع؟
-6 معالجة
قضايا الارض
تظهر المقارنه التاليه بوضوح الفرق
الشاسع في نسبة تخصيص واستعمال الأراضي
للأهداف المختلفه (ضمن مسطحات البناء الحاليه)
بين البلدات العربيه وبين بلدات يهوديه
يتراوح عدد سكانها ما بين 2000-20000 نسمه.
البلدات/الاستعمال
سكن صناعه
أبنيه عامه حدائق
عامه متنوعه
بلدات يهوديه 50
8.5
4
22
15.5
بلدات عربيه 82
1
0.5
8
9.5
فغالبية مسطحات
البناء لدى العرب (82%)
مخصصه للسكن مقابل 50% فقط
لدى اليهود, مما يضفي على البلدات العربيه
طابع "الفنادق" والاحياء السكنيه وليس
في أي حال من الأحوال البلدات المتكامله في
استعمالات الارض. أما الفرق في الاستعمالات
الحيويه الأخرى فهو مذهل. أذ تزيد الاراضي
المخصصه للصناعه, والأبنيه العامه, والحدائق
لدى اليهود بنسبة 8.5 ضعفا, 8
أضعاف,و- 3 أضعاف
على التوالي مما هي عند العرب. وهل من حاجة
لنسأل, بعد هذه المقارنه, عن حقيقة وجود
الفوارق وحجمها بين اليهود والعرب في البلاد؟
أم هل نحتاج للشرح والأستطراد عن أسباب
البطاله والفقر المتفشيين لدى العرب؟
والملفت للنظر أن مخططي تاما 35 قد
وقفوا على هذه الفوارق ووثقوها (خطة التنميه
والتطوير, البند 50-2)
ألا أنهم لم يستخلصوا منها النتائج والعبر
الموضوعيه. وعوضا عن التوصيه أولا وقبل كل شيء
بضرورة أحداث تغيير جذري في سياسة تخصيص
الأراضي للعرب بهدف الوصول الى نمط متساو من
استعمالات الأراضي في الوسطين, فأنهم يوصون
بانتهاج نفس المعايير لليهود والعرب من الآن
فصاعدا دون التمييز بين الحالتين. والنتيجه
المباشره لهذه التوصيه هي تكريس الوضع القائم
وأجازة السياسه التي أفرزته.
وتجدر الأشارة هنا ألى المعارضه الشديده
التي تبديها المجالس الأقليميه اليهوديه
تجاه المطالب العادله التي تتقدم بها السلطات
المحليه عامة, والعربيه خاصة, بتوسيع
مسطحاتها ومناطق نفوذها. وكأي من بلدة عربيه
تتبع بعض بيوتها وأجزاء من مسطحاتها لمناطق
نفوذ مجالس أقليميه يهوديه. لقد منحت الدوله
للمجالس الأقليميه مساحات الأرض الشاسعه ضمن
مناطق نفوذها لأسباب سياسيه محضه أهمها "درء
خطر استيلاء" العرب عليها واستعمالها. ثم
أن الجزء الأكبر من مناطق النفوذ الشاسعه
ومترامية الأطراف قد أقتطعت من أراضي البلدات
العربيه ومنحت للمجالس الأقليميه بقصد منع
التواصل الجغرافي بين ما تبقى من أراضي العرب.
ولا يمكن أيجاد أي مبرر لأن تستحوذ المجالس
الاقليميه, التي يشكل سكانها نسبة 8% من
سكان البلاد, على 80% من
مساحة أسرائيل.
وبالرغم من هذه الحقائق الساطعه, يجابه كل
طلب لتوسيع مساحة منطقة نفوذ بلدة عربيه, حتى
لو كان متواضعا جدا, بضرورة تقديم المبررات
التخطيطيه واثبات الحاجه الموضوعيه لتوسيع
منطقة النفوذ. والمنطق والتجربه العمليه
يشهدان على أن الجهاز الذي قرر مسبقا, ولأهداف
سياسيه, تضييق رقعة البلدات العربيه وخنقها,
ليس من السهل قطعا أقناعه بالاستجابة لمطلبك
حتى لو استعنت بأحذق المهارات المهنيه في
التخطيط. والأنكى من كل ذلك أن وزير الداخليه
وحده هو صاحب القرار الأول والأخير في أقرار
وتغيير مناطق النفوذ للسلطات المحليه في
البلاد. فأذا مسك اليأس من لجان التحقيق في
الحدود ومن لجان التنظيم, ولجأت الى وزير
الداخليه ليبت في الأمر فحالك كالمستجير من
الرمضاء بالنار. وكنا قد طالبنا القيمين على
المخطط مرارا بضرورة التوصيه أمام وزارة
الداخليه بشكل صريح وواضح بتوسيع مناطق نفوذ
البلدات العربيه عامة, ولكنهم, ورغم قناعتهم
الظاهريه بالمطلب, أختاروا التلميح والأشاره
أحيانا وقول العكس أحيانا أخرى.
وفي حين يحدد المخطط الجديد أحد أهدافه
الاساسيه بالمحافظه على الاراضي الزراعيه
والمناطق المفتوحه وعدم هدرها في مشاريع
التطوير الأستعراضيه, الا أنه يتعامى عن شارع
عابر أسرائيل الذي سيؤدي شقه الى أتلاف عشرات
آلاف الدونمات من الاراضي الزراعيه. كما أنه
لا يتعرض للآثار البيئيه السلبيه للشارع,
والتي تؤكد خطورتها الدراسات العلميه
المتخصصه, بالرغم من هدف حماية البيئه الذي
يدعيه المخطط. وكان من باب أولى أن يقترح
المخطط أعادة النظر في مجمل مشروع عابر
أسرائيل, مستندا الى العديد من الأصوات
الرسميه والشعبيه التي أخذت بالتساؤل حول
جدوى المشروع برمته.
ومن القضايا التي ربما يتعمد المخطط
أبقاءها غامضة مصير المستوطنين والقواعد
العسكريه في المناطق المحتله, غزه والضفه
الغربيه وهضبة الجولان وجنوب لبنان. وحسب
التقديرات يصل عدد المستوطنين فيها الى 180 ألفا (منهم
حوالي 165
ألفا في غزه والضفه و- 15 ألفا
في الجولان), وتبلغ مساحة القواعد والمنشآت
العسكريه بضعة عشرات آلاف الدونمات. ويتوقع
المخطط أن يربو عدد المستوطنين في عام 2020 على
300 ألف
نسمه. والسؤال الذي يطرح نفسه: في حالة أنتهاء
المفاوضات التي تجري في هذه الأيام بأتفاقيات
تضمن الأنسحاب من المناطق المحتله (وهذا ما
نصبو أليه ونناضل من أجله حقا), فهل سيجري
عندها أسكان المستوطنين والمتعاونين على
الأراضي العربيه أو ربما في بلداتنا التي
أضحت تضيق بمن فيها؟ وهل سيتم نقل القواعد
العسكريه والمنشآت والمخيمات ألى قلب
المناطق العربيه وعلى أراض تصادر خصيصا لذلك
كما حصل في النقب بعد الأتفاق مع مصر (أنظر
القانون: مصادرة الأراضي في النقب - أتفاقية
السلام مع مصر, 1980)؟
نقول هذا دون أن نحمل المخططين خاصة مسؤولية
ما سيحدث في هذا المجال, ولكنا نذكرهم,
وأنفسنا, بأن هذه الأحتمالات وارده وربما
سيكون قدرنا أن نواجهها قريبا.
-7 مهنة
الألتفاف على القانون ودور "المؤسسات
القوميه"
وكما تعودنا في الحياة السياسيه في
البلاد على ما يسمى بالقوانين الألتفافيه (بالأساس
على محكمة العدل العليا), فالحال في مجال
التنظيم والبناء أشبه بالقول: حدث ولا حرج.
فهناك مجموعه من المؤسسات التي تسمى "المؤسسات
القوميه" مثل الوكاله اليهوديه والكيرن
كاييمت ودائرة أراضي أسرائيل وغيرها التي
تتخصص في الألتفاف حول القوانين العامه
للتنظيم, وذلك بأن تأخذ على عاتقها تنفيذ
المشاريع والمخططات التي تتعارض مع جوهر هذه
القوانين, خدمة للاستيطان والتهويد والسيطره
على الاراضي العربيه. وتنضم الى هذه الجوقه,
أحيانا عديده, بعض الوزارات مثل وزارة
الأسكان ووزارة البنى التحتيه ووزارة الدفاع
ووزارة الزراعه (حيث تتعلق الحاله بالوزارات
التي يتولاها شارون ورفول وأمثالهما). وكمثال
حي على هذه الممارسات الألتفافيه, تعلن
الوكاله اليهوديه في الصحف, وفي هذه الأيام
بالذات, عن نيتها بأقامة مستوطنه جديده في
الجليل وتدعو المواطنين اليهود للاكتتاب لها,
وذلك بالرغم من أن المخطط تاما 35
يشدد على عدم بناء أية بلده جديده
في البلاد. ولم العجب؟ فهل كانت أقامة عشرات
"المناطر" اليهوديه في الجليل, خاصة في
سنوات الثمانينيات, ألا مبادرة مشتركه
للوكاله اليهوديه ووزارة الأسكان, بتوجيه
الوزير شارون, لتهويد الجليل وبدون الحصول
على التراخيص اللازمه مسبقا من مؤسسات
التنظيم المخوله ؟ وحيث قامت بعدها اللجنه
اللوائيه للتنظيم والبناء في الشمال, وعلى
عجل, بتجهيز مخططات خاصه لأضفاء الشرعيه على
هذه المستوطنات, بينما لم "تنجح" اللجنه,
ولغاية يومنا هذا, بأضفاء الشرعيه على القرى
والتجمعات العربيه غير المعترف بها والتي
قامت حتى قبل قيام الدوله. والأمثله عديده
ومتنوعه تمتد من النقب الى الجليل مرورا
بمشروع "الكواكب" في المثلث, الا أنها
كلها تجسد التحايل والألتفاف الذي تمارسه "المؤسسات
القوميه" دون رقيب, بينما تطبق التقييدات
القانونيه على العرب بحذافيرها.
ومن البدع الحديثه التي استنبطتها "المؤسسات
القوميه" للألتفاف على قوانين التنظيم
العامه ما يسمى بالقاموس الصهيوني "أستيطان
الأفراد". وتتلخص هذه الحيله في أن أن تقوم
دائرة أراضي أسرائيل باقطاع فرد أو عائله (من
اليهود طبعا) مساحة من الأرض قد تبلغ آلاف
الدونمات للأستيطان عليها ولمنع العرب من
استعمالها للرعاية أو لأي غرض آخر. ولا شك في
أن الهدف من هذه البدعه هو الألتفاف على
السياسه العامه التي تدعو ألى عدم أقامة
مستوطنات جديده, وذلك من خلال أجراء لا يتناقض
ظاهريا مع هذه السياسه (باعتبار أن استيطان
الأفراد لا يعني أقامة مستوطنه جديده), ولكنه
يحقق عمليا مهمة السيطره على الأرض ودفع
العرب منها وتوطين اليهود عليها. وتمارس هذه
الحيله في النقب والجليل خاصة بتواطؤ مفضوح
من اللجان اللوائيه للتنظيم فيهما, مما حدى
بمحكمة العدل العليا للتدخل في الأمر مؤخرا
ومطالبة المجلس القطري للتنظيم والبناء بوضع
القواعد التنظيميه لهذه البدعه الألتفافيه.
ورغم أن مخططي تاما 35 يعترضون
على هذه الممارسه, ألا أن "المؤسسات
القوميه" ستواصل محاولاتها المحمومه
للسيطره على الأرض متسلحة بتسامح وتشجيع أذرع
الدوله المختلفه. ولأظهار مدى التحيز
والتمييز ضد العرب في هذا المجال يكفي أن نذكر
أن العديد من البلدات العربيه تطالب وتعمل
وتخطط وتعقد الجلسات في دوائر التنظيم
والداخليه وتستعين بالمحامين وبالعلاقات
الشخصيه مع المسؤولين لتوسيع بسيط في
مسطحاتها ومناطق نفوذها - ولكن هيهات. أما
المستوطن الفرد - فله من يرعاه.
وكمثال آخر على أطلاق يد بعض المؤسسات
بالتصرف كما يروق ويحلو لها دون الخضوع
لقوانين التنظيم العامه, نذكر أن المخطط يعفي
سلطات الجيش ووزارة الدفاع من تقديم أية
دراسه حول المخاطر التي قد تتسبب عن أقامة
منشآت عسكريه مثل المعسكرات ومخازن الأسلحه
وقواعد الصواريخ والمطارات ومناطق التدريب
بالذخيره الحيه وغيرها. وبالمقابل يفرض
المخطط, وبحق, على الهيئات والمؤسسات المدنيه
تقديم تقييم للمخاطر المحتمله على المناطق
السكنيه القريبه من جراء أقامة مصانع الأسمده
والبتروكيماويات ومخازن الغاز والنفط ومعامل
التكرير وغيرها كشرط مسبق لأجازتها (الخرائط
والتعليمات, البند (14.3.
ويشكل هذا استمرارا طبيعيا للنهج "الأمني"
الذي خول السلطات العسكريه بالأعلان عن منطقة
الروحه كمنطقه عسكريه مغلقه للتدريبات, ضاربا
بعرض الحائط حق أصحاب الأراضي باستعمال أرضهم
للزراعه, والمخاطر التي قد تتسبب للسكان
المدنيين المجاورين. وكذلك توسيع المنطقه
العسكريه المتاخمه لسخنين بغرض استعمالات
مبهمه رغم تماسها مع البيوت السكنيه وأحدى
مدارس المدينه.
-8 التطوير
الأقتصادي
تفتقر البلدات العربيه عامة الى المناطق
الصناعيه والتجاريه والفعاليات الاقتصاديه.
وينعكس هذا الواقع سلبا على المستوى
الاجتماعي-الاقتصادي وعلى نسبة الفقر
والبطاله بين العرب. والمناطق الصناعيه
الضخمه التي أقيمت في الجليل والمثلث على
مدار الاعوام الاخيره بجوار بلدات عربيه وعلى
أراض عربيه مصادره, فأنها تتبع لمجالس
اقليميه وبلديات يهوديه تدر عليها أرباحا جمة
(من جباية ضرائب الأرنونا والتطوير والتحسن)
وتوفر فرص العمل لسكانها في المقام الاول.
ونكتفي بذكر بعض الأمثله على ذلك مثل مناطق
تسيبوريت (كفر كنا), ترديون (سخنين), ورأس العين
(كفر قاسم).
ويأتي المخطط الجديد ليكرس الوضع القائم
حيث يسهل أقامة مناطق صناعيه وتجاريه جديده
أذا كانت أستمرارا وتوسيعا لمناطق صناعيه
وتجاريه كبيره وقائمه, مما يعني عمليا
أستثناء البلدات العربيه من أمكانية أنشاء
مناطق للصناعه والتجاره ضمن مناطق نفوذها,
لأنها تفتقر أصلا للمناطق الصناعيه (هناك بعض
المناطق الصغيره للحرف والتجاره في بعض
البلدات), وكذلك لمساحات الاراضي الكافيه
لاستيعابها (التعليمات, البند 6.1.4
).
أما عن تطوير الزراعه عند العرب فلا ينبس
المخطط ببنت شفه لعلمه بأن الزراعه بحاجه
للأرض, والأرض حاجة نادره عندهم.
-9 السلطات
المحليه - مسؤوليات بدون صلاحيات
وفي معالجته لقضايا السلطات المحليه في
البلاد يسهب المخطط (الأسس والتوجهات العامه,
البند 7.5) في شرح
المقترحات لتغيير طريقة فرض الضرائب البلديه
المتبعه وتشجيع دمج السلطات المحليه وقضايا
أداريه أخرى. ألا أنه لا يتطرق ألى أعطاء
السلطات المحليه أي حق بالمشاركه في اتخاذ
القرارات بشأن قضايا التنظيم والبناء التي
تخصها, ويبقي كامل الصلاحيات في هذا المجال
بيد السلطه المركزيه وأذرعها. كما أن المخطط
يثبت الوضع القائم التي تسيطر من خلاله
المجالس الأقليميه على ما يقارب 80%من
مساحة البلاد, لا بل أنه يوصي بالتشدد أزاء
المطالبة العادله للمجالس المحليه والبلديات
بتوسيع مسطحاتها ومناطق نفوذها على حساب
المساحات الشاسعه التي تسيطر عليها المجالس
الاقليميه (اليهوديه). ولا شك في أن تثبيت
الوضع القائم لمدة عشرين سنة أضافيه سيعمق
ضائقة السلطات المحليه عامة, والعربيه خاصة,
ويضعف قوتها أزاء السلطه المركزيه, ويزيد من
اعتمادها وارتباطها بالحكومه (وكذلك أمكانية
الضغط عليها بشتى الوسائل) على عكس التوجه
العام بزيادة وزن وتأثير واستقلالية الحكم
المحلي.
ويشترط المخطط أقرار توسيع مسطحات البناء
بأن تقوم السلطات المحليه, بموازاة ذلك,
بأنجاز البنيه التحتيه (أبنيه عامه, مياه,
مجاري, تصريف مياه, شوارع وغيرها) ضمن نطاق
المسطح المقترح (التعليمات, البند 8.1.2). وأذا أخذنا بعين
الأعتبار الوضع المالي للسلطات المحليه
العربيه وشحة ميزانيات التطوير التي تحصل
عليها, وأنها بدأت في السنوات الأخيره فقط
بتنفيذ البنيه التحتيه للأحياء القائمه
والقديمه فيها, فكيف ستتمكن من أنجازها في
الأحياء المخططه كشرط لأقرار توسيع المسطحات
؟ وفي نطاق هذه الدائره من الشروط يخشى أن
تبقى البلدات العربيه بالذات بدون توسيع
مسطحات وبدون البنى التحتيه الملائمه.
-10 عود
على بدء
لم ينتهز القيمون على أعداد تاما 35 الفرصه
لأجراء معالجه موضوعيه ونزيهه لقضايا الأرض
والتنظيم لدى العرب, واكتفوا بالتعرض لشكليات
لا تتناسب مع عمق الأزمه ومرارة الواقع,
وبترديد عبارات مستهلكه عن "ضرورة"
أدخال التحسينات المختلفه. ورغم الآمال التي
عقدت على هذا المخطط, ألا أنا لسنا بدرجة من
السذاجه لنتصور أنه كان سيحدث التغيير
الحقيقي المتوخى في التعامل مع العرب. ففي
نهاية المطاف يجب أن نتذكر أن القيمين على
المخطط يعملون ضمن نطاق "الأجماع القومي"
والمصالح والأهداف التي يسعى لتحقيقها, والتي
ما زال العرب خارجها.
والقضيه الأساسيه التي يجب ايضاحها هي أن
مشكلة العرب هي مع السياسه العامه للمؤسسه
المتنفذه في البلاد, والتي يعتبر تاما 35 وسواه
من المخططات جزءا من تجلياتها وتطبيقاتها.
فحتى لو أحسن المخطط التعامل مع معضلات
التخطيط عند العرب, فهل من ضمانات للتنفيذ
المتوازن والقويم علما أن القيمين على
التنفيذ هم ربابنة السياسه العامه؟
ليس القصد من هذا الكلام تبرئة وأعفاء
مخططي تاما 35 من
مسؤولياتهم تجاه العرب, وأنما لنبرز بوضوح أن
مهمة النضال الأساسيه يجب أن تتمحور ضد مجمل
السياسه العامه تجاه العرب والتي تشتق من
الفكر الصهيوني الكلاسيكي. ومن الصعوبة تصور
تحقيق نجاح ملحوظ في مقاومة تاما 35 أو
غيره من المخططات بمعزل عن التقدم خطوات
ملموسه في النضال من أجل المساواه العامه
للعرب في البلاد.
وأما الخطوات العمليه المقترحه لمجابهة
المخطط والسياسه العامه التي أفرزته فتتلخص
كالتالي:
أ- الضغط على
الحكومه لتجميد المخطط بغية أجراء تعديل جذري
عليه بما يتعلق بقضايا العرب (لجنة المتابعه
العليا واللجنه القطريه),
ب- تقديم
الأعتراضات والملاحظات والمخططات البديله
للمخطط حال عرضه في لجان التنظيم المحليه
واللوائيه, وذلك بما يتلائم ويتجاوب مع مصالح
البلدات والتجمعات العربيه كافة (كما تحددها
المجالس المحليه العربيه فرادى ومجموعات
لأبراز الرؤيه المحليه, المنطقيه واللوائيه),
ج- دعم المركز
العربي للتخطيط لتمكينه من أجراء دراسه مهنيه
دقيقه ومفصله للمخطط, وتقديمها للمجلس القطري
للتنظيم والبناء كوثيقه تعكس الرؤيه العربيه
أزاءه, ومتابعة أدراجها فيه,
د- أحياء لجنة
الدفاع عن الأراضي, ككفيل شعبي للمركز العربي
للتخطيط, لقيادة النضال ضد استمرار سياسة
التمييز الرسميه ضد العرب في قضايا الأرض
والتنظيم والبناء,
ه- الأستعداد لرفع
قضايا قضائيه أمام محكمه شعبيه دوليه (تريبيونال)
وأمام مؤسسات الأمم المتحده المختصه ضد
المخطط وضد مجمل سياسة التخطيط الرسميه
المنتهجه ضد العرب في البلاد ما لم تبدأ
السلطات المعنيه بأدخال تغيير جذري في توجهها
نحوهم (لجنة المتابعه واللجنه القطريه
والمركز العربي للتخطيط والجمعيات الأهليه).
(أتقدم بالشكر
والتقدير للزملاء في المركز العربي للتخطيط
على جهدهم في دراسة المخطط, وملاحظاتهم عليه,
كل من موقعه, وكذلك للجنه القطريه والسلطات
المحليه العربيه التي تدعم عمل المركز بشتى
الوسائل)