الأوقاف والمقدسات الإسلامية في إسرائيل  
فتحي فوراني

 

عند قيام الدولة، وضعت المؤسسة الحاكمة يدها على أراضي وممتلكات الأوقاف الإسلامية التي تشكل 16/1 (7%) من الأراضي في إسرائيل ( 100000) دونم _  وقف صحيح، حسب تقرير الباحث هوب سمبسون) . وقد كانت هذه الأوقاف تحت إشراف وإدارة لجنة الأوقاف العامة المنبثقة عن المجلس الإسلامي الأعلى. وفي سنة 1948، وعندما تشرد الشعب العربي الفلسطيني، انحل المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الأوقاف العامة، وتشرد أعضاء هذه اللجنة من أبناء شعبنا. واعتبرت دولة إسرائيل هذه اللجنة ومسلمي هذه البلاد "غائبين" بالمفهوم الإسرائيلي للقانون، واعتبرت أملاك الوقف الإسلامي، بما فيه المساجد والمقابر والأراضي والممتلكات... أموالا متروكة يسري عليها "قانون الغائبين" (سنة 1950)، الأمر الذي يعتبر انتهاكا فظا للشريعة الإسلامية التي تقضي بأن الأوقاف لا تصادر ولا تباع ولا تجري عليها أية صفقة من الصفقات، وهي ملك لله وللعرب والمسلمين الباقين في وطنهم ولم يغادروه، ويجب أن تظل تحت إشرافهم وأن يصرف ريعها على الشؤون الاجتماعية والثقافية والدينية.

لقد تمت مصادرة الأوقاف الإسلامية ووضعت تحت إشراف لجنة رسمية حكومية مؤلفة من القيّم على أملاك الغائبين، وممثلين عن إدارة أراضي إسرائيل (الكيرن كييمت) ووزارة المالية والإسكان، ويقف على رأس هذه اللجنة، مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية.

 وفي سنة 1965, سنّت الحكومة الإسرائيلية "قانون لجان الأمناء" كتعديل لقانون الغائبين (سنة 1950، وقررت بموجب هذا القانون، تعيين "لجان أمناء" في حيفا، يافا، عكا، اللد، والرملة. وقد منح القانون الإسرائيلي لهذه اللجان، "الحق: في إجراء الصفقات على أراضي الأوقاف وتصفيتها وتجييرها لصالح المؤسسات الحكومية المختلفة، بإشارة من مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية...

ولم يكن هذا القانون البدعة، إلا وسيلة "قانونية" لتصفية أملاك الأوقاف وابتياعها من هيئة إسلامية رسمية معينة، بموجب القانون. وبهذه الطريقة أجريت الصفقات بين "الشخصيات الإسلامية"... وبين المؤسسات الرسمية التي عينت هذه الشخصيات لمثل هذا الغرض. وحتى تكتسب هذه الصفات، صفة "الشرعية"، فقد حظيت بفتاوى "شرعية"، أصدرها موظفون حكوميون برتبة "قضاة مسلمين". وهكذا، بيع الكثير من أراضي الأوقاف، وصدرت الفتاوى السرية، والقرارات "الشرعية" بطرق مشبوهة، تفوح منها رائحة الاختلاسات والرشوات التي لا يصدقها عقل، وكل هذا من وراء الكواليس، ومن وراء ظهر المسلمين، الأصحاب الشرعيين لهذه الأوقاف، التي يقدر ريعها بمئات الملايين، وتقدر قيمتها بالمليارات.

وخلال أكثر من خمسة عقود، خاضت الجماهير العربية، بقيادة شخصيات وهيئات شعبية، معارك قاسية للدفاع عن المقدسات والأوقاف والهوية الحضارية أمام الممارسات التي تستهدف المعالم التاريخية والحضارية للإنسان العربي الباقي في وطنه.

وخلال هذه الفترة، لم تعدم المؤسسات الرسمية وسيلة إلاّ واستعملتها لتنفيذ مخططاتها التي تمثلت فيما يلي:

1_  العبث بمقدسات الشعب العربي الباقي في وطنه.

2_ إلغاء الوجود التاريخي، وطمس معالم الهوية القومية للجماهير العربية.

3_ الاستيلاء على الأرض العربية.

4_ تهويد المعالم العربية، وإقامة الأوتيلات الفخمة والمؤسسات الحكومية، والمراكز التجارية، والمستوطنات، على عظام الآباء والأجداد، وعلى أطلال الآثار الحضارية العربية.

وقد طبقت المؤسسة الحاكمة هذا النهج، في يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وصفد وطبريا وغيرها من المدن، وكذلك أكثر من 340 قرية عربية مسحت بمساجدها ومقابرها ومقدساتها عن خارطة هذا الوطن.

وإذا ألقينا نظرة سريعة على بعض المقدسات، في أنحاء مختلفة من البلاد، لارتسمت أمامنا الصورة الآتية:

 

الأوقاف الإسلامية في المدن المختلطة

لقد كانت المدن المختلطة التي يسكنها العرب واليهود، كحيفا وعكا ويافا واللد والرملة، عصبا حساسا في مسألة الأوقاف الإسلامية، وشاهدا على التوجه الرسمي في تعامله مع الإنسان العربي الباقي في وطنه. وسنحاول فيما يلي، أن نقدم تلخيصا مجملا قدر المستطاع، لحالة الأوقاف والمقدسات في المدن المختلطة، وتسليط الضوء، بشكل خاص، على القضايا الملتهبة، التي أشغلت الرأي العام، واستنفرت الجماهير العربية،ووضعت قضية الأوقاف في فترات معينة في مركز همومها ونضالاتها السياسية، للدفاع عن مقدساتها وحقوقها القومية، وعن هويتها التاريخية والحضارية.  

 

حيفا

بليت مدينة حيفا بمؤسستين "إسلاميتين" لعبتا دورا حاسما في تصفية الأوقاف الإسلامية لصالح المؤسسة الحاكمة:

1_ مؤسسة وقف الاستقلال

وتديرها "هيئة المتولين" التي عينها موظف رسمي برتبة "قاضي مسلم" مفروض على المسلمين.

2_ "لجنة الأمناء" التي عينتها وزارة المالية.

أما مؤسسة "وقف الاستقلال" ورغم كونها "مستقلة" عن الأوقاف العامة ومسؤولة شرعا عن ممتلكات الأوقاف المحددة في (حجة وقفية الاستقلال – 17/ 3/ 1938)، ورغم كون هذا الوقف، وقفا ذريا، فقد لعبت هذه المؤسسة دورا مركزيا في تنفيذ المخططات التي استهدفت الأوقاف العامة، والمقدسات والآثار التاريخية والحضارية. فقد تم عبر "مسجد الاستقلال" تصفية العديد من الأوقاف "العامة" والمقدسات في حيفا وأماكن أخرى في البلاد، وقد نشرت الصحف العربية والعبرية مرارا عن التجاوزات في "ملف الاستقلال" كما طالب المسلمون بقيادة جمعية المبادرة الإسلامية مرارا، وطيلة السنين الماضية، بالتحقيق في هذا الملف، وكشف خباياه أمام الرأي العام في حبفا والبلاد.

إن أحداثا درامية تراجيكوميدية حدثت على مسرح الأحداث في حيفا، وأحدثت ردود فعل غاضبة لدى الجماهير العربية في جميع أنحاء البلاد 

وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر فيما يلي، غيضا من فيض "المآثر" التي "أنجزها" المسؤولون عن مؤسسة الأوقاف في حيفا، وما عدا أكثر مما بدا:

1_ الصفقة التي تمت لبيع الجامع الصغير سنة 1968.

2_ الصفقة التي تمت على أربعين دونما من أراضي الأوقاف الإسلامية قرب التخنيون، في منطقة نفي شأنان (9/ 5/ 1974).

3_ تدمير مساحات كبيرة من مقبرة الشهداء التي تحتضن رفات القائد الوطني الكبير عز الدين القسام، وغيره من الشخصيات التي لعبت دورا في الحياة السياسية للعرب الفلسطينيين (بتاريخ 13/7/1978).

4_ جريمة تدمير مقبرة الاستقلال التي نفذتها "هيئة المتولين" بتاريخ 6/6/1981 ب "فتوى شرعية"  وعدم نقل القبور ( 3000 قبر ) ثم الادعاء ب "أنها نقلت إلى قبر جماعي في المقبرة الإسلامية في كفر سمير، تحت إشراف- رجل دين مسلم – رفض أن يفصح عن هويته" (جروسليم بوست 12/6/1981)، ثم سقوط القناع عن الوجه الحقيقي لمشروع السكن "الموهوم" والإعلان عن إقامة مركز أعمال تجاري على أرض المقبرة (صحيفة كول حيفا 21/12/1984) فوق عظام الآباء والأجداد المبعثرة بشكل لا يتصوره العقل.

وفي أعقاب هذه الجريمة، هرب سهيل شكري (المتولي السابق) وفي جيبه مليون دولار "جراء صفقة كبيرة جرت على أراضي الأوقاف في حيفا"، (جريدة الفجر العبرية 11/1/1983)

5_ التخطيط لتدمير مسجد النصر التاريخي، وإقامة بناية للمكتب التجاري على أنقاضه. (وللأسف، بفتوى أحضرت خصيصا من الأزهر الشريف في ظروف غامضة).

6_ الاعتداءات المتكررة على مقبرة القسام لإزالتها، وشق شارع على أنقاض الآباء والأجداد وإزالتها، كجزء من وجودنا التاريخي. وكل ذلك باسم "الشريعة الإسلامية"، تحت غطاء من "الفتاوي الشرعية" التي يصدرها بعض من "القضاة المسلمين" حسب الطلب.

وبالإضافة إلى هذا، فقد تمت تصفية العديد من أملاك الأوقاف من وراء الكواليس، تحت ستار "منفعة المسلمين" بينما لم تخدم إلا المصلحة الفردية الضيقة لمنفذي هذه الصفقات. فاستأثروا بثمارها الحرام، وتقاسموها في الخفاء من وراء ظهور جماهير المسلمين المسحوقين، أصحابها الحقيقيين، وأصحابها الشرعيين.

عكا

أما في عكا، فقد أجريت الصفقات على العديد من أملاك الأوقاف بواسطة "اللجان الإسلامية" المعينة. وفي كل مرة يتم تغيير أعضاء هذه اللجان حسب مقتضى الحال. فتعين كل مرة لجنة جديدة بعد أن تنتهي المهمة التي أنيطت باللجنة السابقة.

وقد بلغ نهب الأوقاف في عكا ذروته، بظهور الشركة الحكومية المسماة "شركة تطوير عكا القديمة" (يسميها العرب في عكا شركة تطيير عكا) فقد استأجرت هذه الشركة (بموجب اتفاقية وقع عليها أعضاء إحدى لجان الأمناء الحكومية) معظم أملاك الأوقاف الإسلامية في المدينة بأجر رمزي بخس ولمدة 99 عاما. وبموجب هذه الاتفاقية المذكورة، استولت "شركة التطوير" على السوقين الأبيض والأسود، بما في ذلك من حوانيت ومتاجر، كما استولت على الخانين التاريخيين، خان الشاه وردة، وخان العمدان، في سبيل تحويل الأخير إلى فندق سياحي. كما استولت الشركة على جميع الحوانيت والمخازن الواقعة على امتداد شارع صلاح الدين، وعلى جميع الدكاكين الواقعة تحت مسجد أحمد باشا الجزار. وبواسطة "لجان الأمناء" تمت الصفقة على قطعة الأرض  التي يقوم عليها البنك العربي الإسرائيلي، والساحة الواقعة شمالي البنك، والتي تستعمل اليوم موقفا للسيارات السياحية. وكذلك الأمر بالنسبة لموقع محطة الباصات الحالي، في عكا القديمة، والساحة المحاذية لها، والتي تستعمل اليوم محطة للسيارات الخصوصية.

 

يافا

كانت يافا العروس الثقافية لفلسطين، وكان يسكنها أكثر من مائة ألف فلسطيني. هذه العاصمة الثقافية تقلصت بعد عام 1948 لتصبح "جيتو" يختصر حكاية مأساة. ويافا ليست بأقل حظا من أختيها حيفا وعكا. وبواسطة "لجان الأمناء" الحكومية، تم تنفيذ العديد من الصفقات السرية على أراضي الأوقاف والمقدسات الإسلامية في يافا.

إن مسلسل التصفيات في يافا، يمتد على عدة حلقات. واستهدف تصفية الوجود التاريخي والآثار الحضارية للشعب الفلسطيني. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر الأمثلة التالية:

1_ مسجد حسن بك التاريخي:

فقد وضعت المؤسسات الرسمية نصب عينيها تدمير هذا المسجد وتحويله إلى مركز تجاري، وأثر سياحي، وذلك "لهدم الرمز الأخير للمسلمين في يافا" كما جاء في إحدى الرسائل التي بعث بها جرشون بيرس (شقيق شمعون بيرس) إلى بلدية تل أبيب، والتي كشفت عنها صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في مقالة للصحفية "أورلي أزولاي" بتاريخ 30-10-1981.

مقبرة طاسو

تبلغ مساحة هذه المقبرة 81 دونما. وهي جزء من الوجود التاريخي للعرب الفلسطينيين الذين شردوا عن مدينتهم، وفيها قبور أبائهم وأجدادهم.

وقد وضعت المؤسسات الرسمية مخططا يرمي إلى إزالتها لشق الشوارع على مسطحها. وقد تم "إنجاز" هذه الصفقة بموافقة رئيس إحدى "لجان الأمناء" ومباركة "فتوى" أصدرها أحد القضاة الشرعيين بتاريخ 16-7-1973.

بتاريخ 28-9-1980، ولدى تشييعهم جثمان (حسن الأدغم) منع عرب يافا من دفن الجثمان في مقبرة طاسو (الإتحاد 30-9-1980.

وبالإضافة إلى هذا، فقد دأبت المؤسسات الرسمية على العبث بالعديد من المقدسات والأوقاف، بهدف طمس معالمها، والتخلص منها نهائيا.

1- فقد مسحت مقبرة عبد النبي، وأقيم على مسطحها فندق هلتون السياحي.

2- أما مسجد النزهة، ذلك الأثر المعماري الرائع.. فقد تحول إلى خرائب مهجورة ووكر للدعارة.

3- مسجد السكسك يصبح مطعما بلغاريا، وناديا ليليا.

4- مسجد الوحدة يتحول إلى كنيس يهودي

5- وتنـزل البولدزرات إلى مقبرة الشيخ مراد، فتشق فيها الشوارع ويتحول قسم منها إلى مزبلة.

6- وتواصل البولدزرات "رسالتها الحضارية" فتنقضّ على مقبرة الجماسين، فتمسحها وتقيم فوق القبور المنبوشة جامعة تل أبيب.

وأخيرا، وليس آخرا، يكون مشروع "مدرون يافو" رأس الحربة الموجه إلى حي العجمي، لاقتلاع بقايا الإنسان العربي من أرض الآباء والأجداد.

 

اللد والرملة

 

في الرملة مقبرة إسلامية تبلغ مساحتها 60 دونما. وخلال العقود الأخيرة، تم اقتطاع قسم كبير منها، وأقيمت عليها مباني بنك العمال وصندوق التوفيرات "مبطاحيم" وصندوق المرضى المركزي، والمركز الثقافي اليهودي، وخمس بنايات أخرى.

وبتاريخ 12-5-1983 تم نبش المقبرة بحجة توسيع شارع "شمشوم الجبار" الذي شطر المقبرة إلى شطرين،

وقد قامت البلدية بتنفيذ هذه الفعلة بموافقة "لجنة الأمناء" الحكومية.      

كما تم تحويل قطعة أرض من المقبرة إلى المجلس البلدي، لإقامة كراج ومحددة على مسطحها (الاتحاد 6-12-1983)

وتواصل البلدية محاولاتها الرامية إلى محو الآثار والأسماء العربية المرتبطة بمدينة الرملة التاريخية. فبعد قيامها بتغيير أسماء الشوارع من اللغة العربية إلى العبرية، وتغيير مئذنة "برج قلاوون" إلى "برج الأربعين"، يعلن رئيس البلدية أنه يخطط لتغيير أسم المدينة من الرملة إلى (رام. له) مفسرا الاسم الجديد بأنه يعني (العلى لله). (الاتحاد. 9-4-1985).

بئر السبع

وفي بئر السبع تتحول المقبرة الإسلامية الى مزبلة، وتنتشر اطر السيارات وركام البيوت والنفايات في جميع أنحاء المقبرة. وفي بئر السبع مسجد بناه عرب النقب قبل مائة عام، بقروش الفقراء وعرق المسحوقين، وتأبى بلدية بئر السبع إلا أن تصادر المسجد وتحوله إلى متحف (متحف النقب).

أكثر من ستين ألفا من عرب النقب يحرمون من الصلاة في مسجدهم.

وعندما يحاولون الدخول إلى بيت الله لإقامة الصلاة، تهرع الشرطة وتصادر أحذيتهم وتعتقلهم بتهمة "تجاوز الحدود والدخول إلى ملك ليس لهم" (27-3-1980).

وفي واحة الديمقراطية تعتبر الصلاة في المسجد جريمة يعاقب عليها القانون.

 

النضال الشعبي للدفاع عن المقدسات والتراث الحضاري

في الفاتح من كانون الثاني سنة 1976 تأسست جمعية المبادرة الإسلامية في حيفا، من العناصر الوطنية، لتدافع عن المقدسات الإسلامية والآثار الحضارية العربية... ولتضع حدا لحالة التسيب والاختلاسات والصفقات السوداء التي تسود الأوقاف الإسلامية. وقد لعب الدور الرئيسي البارز في هذه العمليات التصفوية، سهيل شكري، (ابن حسن شكري، رئيس بلدية حيفا في عهد الأتراك، وفي الفترة التي سبقت قيام دولة إسرائيل، وفي الستينات، منح سهيل شكري ووالده الراحل، وساما رفيعا من دولة إسرائيل)

نتيجة للنضال المثابر الذي قادته جمعية المبادرة الإسلامية، ومعها الجماهير العربية في حيفا والبلاد، اضطرت المؤسسة الحاكمة أن تنـزل سهيل شكري عن المسرح... وتحت ستار كثيف من السرية والغموض، "تبخر" سهيل شكري إلى الولايات المتحدة بعد أن أجهز على العديد من الأوقاف الإسلامية في حيفا وخارجها. وقد ذكرت إحدى الصحف العبرية، عن مصادر مطلعة، لما يجري في مؤسسة الأوقاف في حيفا، أن سهيل شكري اختفى في الولايات المتحدة، مع مبلغ مليون دولار، دخلت إلى حسابه جراء صفقة كبيرة على أراضي الأوقاف في حيفا (الفجر العربي "بالعبرية" 11-1-1983).

غير أن المؤسسة الحاكمة، عينت بواسطة القاضي الشرعي (المعين) "هيئة متولين" جديدة لتتابع المشوار الذي بدأه سهيل شكري، ولتصفي ما تبقى من أملاك الأوقاف.

 

جمعية المبادرة الإسلامية – حيفا: لقد لعبت جمعية "المبادرة" الإسلامية في حيفا، دورا كبيرا في الإعداد لمؤتمرين كبيرين عقدا في الناصرة بتاريخ 22-10-1977 وبتاريخ 7-9-1983. وقد شارك في هذين المؤتمرين الآلاف من الجماهير العربية من جميع أنحاء البلاد، وتضامن معها أبناء شعبنا من جميع الطوائف العربية المسيحية، للمطالب العادلة التي طرحها هذان المؤتمران. وقد كان هذان المؤتمران تعبيرا صارخا عن إرادة الجماهير العربية من أجل تحرير الأوقاف الإسلامية المصادرة، واسترداد الحقوق المهدورة، وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين. كما عبر هذان المؤتمران عن تمسك الجماهير العربية بمقدساتها وتاريخها وحضارتها.

وعلى الصعيد البرلماني، برز أعضاء البرلمان من نواب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، حيث خاضوا هذه المعركة مع غيرهم من النواب العرب، وطرحوها على جدول أعمال الكنيست، وتشهد بروتوكولات الكنيست على النشاط المثابر الذي خاضه هؤلاء النواب، في طرح القضية وإبقائها ملتهبة على بساط البحث البرلماني. ويحضرني هنا، على سبيل المثال لا الحصر، اقتراح المشروع الذي تقدم به عضو البرلمان ورئيس بلدية الناصرة، الأخ توفيق زياد بتاريخ 8-7-1985، مطالبا بتحرير الأوقاف الإسلامية المصادرة، وإعادتها الى جماهير المسلمين.. أصحابها الشرعيين، وفاضحا محاولات طمس تراثنا التاريخي والحضاري.

وأخيرا، إن الجماهير العربية من أبناء المسلمين في البلاد، ومعها كافة القوى التقدمية والديمقراطية، تطالب حكومة إسرائيل أن تقوم بخطوة جريئة، تنسجم ومناخ مرحلة السلام الآتية، وتتجاوب مع مطالب الجماهير العربية، مواطني دولة إسرائيل.

إننا نتوجه إلى حكومة إسرائيل لأن تقوم بخطوة غير مسبوقة، وتعمل على ما يلي:

1- تحرير جميع المقدسات الإسلامية المصادرة حسب قانون "أملاك الغائبين" لأن الأوقاف لا تصادر ولا تباع، وهي ملك للمسلمين الذين يشكلون أكثر من 75% من الجماهير العربية الباقية في وطنها، ولم تترك هذا الوطن، ولأن مصادرة هذه الأوقاف، واعتبار أصحابها الموجودين "غائبين"، تشكل انتهاكا فظا للشريعة الإسلامية، وتعتبر تدخلا سافرا ومهينا في شؤون المسلمين الداخلية.

2- تسليم هذه الأوقاف إلى لجان منتخبة انتخابا ديمقراطيا مباشرا، وتمثل المصالح الحقيقية للمسلمين، وتشرف على شؤون أوقافهم وتديرها بأمانة، لما فيه خيرهم.

3- اعتبار جميع الصفقات التي تمت على الأوقاف والمساجد باطلة، كتلك الصفقات التي تمت على مسجد حسن بك في يافا، والمسجد الصغير، ومسجد النصر في حيفا. لأن هذه الصفقات تمت من وراء ظهر المسلمين، وبطريقة مشبوهة، تتعارض أشد المعارضة ومبادئ الشرع الإسلامي.

4- تعويض المسلمين عن أراضي الأوقاف التي تمت تصفيتها، في غفلة من الزمن على يد "الأمناء" وأقيمت عليها الفنادق السياحية، والمنشئات الرسمية، والمراكز التجارية، والتي تتعذر إعادتها إلى سابق عهدها، وذلك بتوفير أراض أخرى من أملاك الدولة، وتسليمها إلى لجان منتخبة، حتى يستفيد منها أصحابها الشرعيين.

5- تعويض المسلمين عن ريع الأوقاف التي نهبت خلال اثنين وخمسين عاما، وكانت تصرف بطرق مشبوهة، ووسائل ملتوية.

إننا إذ نكشف هذه الحقائق، ونطرح هذه المطالب، فلكي يقف الرأي العام في العالمين، العربي والإسلامي على حقيقة ما يجري، ولكي يتحرك أصحاب الضمائر الغيورون على التراث التاريخي والحضاري، لاتخاذ كافة الوسائل، في سبيل دعم نضالنا في الدفاع عن هذا الحق المبدد من حقوق شعبنا الباقي في وطنه.

إننا بهذا ندافع عن "هويتنا القومية"... أرضا وتاريخا وتراثا وحضارة.

 

 

 

أيها الأخوة!

إذا تزحزح حجر في مقبرة يهودية في مكان في العالم، تقوم الدنيا ولا تقعد، ويتهمون مثل هذه الفعلة باللاسامية،وبحق، فكيف نسمي مثل هذه الفعلة إذا ارتكبت بحق المقدسات الإسلامية في دولة تدعي أنها "واحة الديمقراطية" في الشرق الأوسط؟

إننا نعيش مرحلة جديدة، نريد لها أن تكون مرحلة سلام حقيقي قائم على العدل، وعلى إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

ونحن نطلب من حكومة إسرائيل، أن تقوم بخطوة جريئة تتجاوب وروح المرحلة الجديدة، تجاه هذا الجزء من الشعب العربي الفلسطيني الباقي في وطنه. إننا نتوجه إلى حكومة إسرائيل مطالبين بتحرير الأوقاف الإسلامية المصادرة، وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين، كما نطالب بإلغاء جميع الصفقات والمخططات التي تهدف إلى طمس تراثنا التاريخي والحضاري.

إننا بهذا ندافع عن حاضر أفضل، ومستقبل أفضل، قائم على الاحترام المتبادل بين أبناء الشعبين، العربي واليهودي في هذا الوطن الذي نريد له أن يكون وطنا جميلا، وتكون الحياة فيه أجمل.

 

فتحي فوراني