بعد 30 آذار

اقتراح رقم 20

 

1 - استمرارًا لمذكرتي السابقة وعلى ضوء التطورات وأحداث يوم الثلاثين من آذار وبعده، من المناسب تحليلها وتقويمها والخروج بتوقعات محتملة الوقوع في المستقبل، وبعدد من المقترحات من المستحسن تحقيقها مبكرًا.

إن نجاح الإضراب نجاحًا تامًا في القطاع العربي لحقيقة يجب تدارسها وقبولها كمعطيات ونقطة انطلاق لكل بحث في الموضوع.

كان لنجاح الإضراب وشموله عدة عوامل يجب التوقف عندها:

أ – ليس ثمة أي إمكان لمعرفة نسبة أو عدد العرب الذين داوموا على العمل خارج أماكن سكنهم . ولكن في القرى العربية والمدينتين اللتين يتركز فيهما الجمهور العربي كان الإضراب شاملاً.

ب – سيطرة منظمي الإضراب على المؤسسات التعليمية على مختلف أنواعها وبضمنها المؤسسات الكنسية كانت تامة.

ج – بدأت حملة الاقناع بضرورة الإضراب من عناصر "رسمية"، ورؤساء سلطات محلية وشخصيات عامة يوصفون عادة بأنهم معتدلون ومتعاونون مع الجهاز الإسرائيلي. ويجب أن نقرر أن هذه الأوساط دخلت العملية بعد ما كانت تحت الانطباع أن عناصر عالية المقام في الوظائف الحكومية تقف إلى جانبهم وأن "تدخّل" العرب سيقنع الحكومة بالعدول عن المصادرة. وفي نشاطهم هذا تباروا بعبارات متطرفة عن اعتقاد أن النجاح سيعزى لصالح من يكثر الصياح.

د – وفي مرحلة متأخرة، وبعد أن تأكدت القيادة العربية الرسمية – إقرأها رؤساء المجالس العربية وغيرها – من خطأها، لم تستطع التراجع عنه لأن التدهور الذي سببته كان يجرها. والمحاولات اليهودية لسد الثغرة لم تمنع الإضراب وسببت في الجمهور العربي الاستنكار وأوجدت تمزقًا عميقًا بينه وبين من انتخبهم لمجرد الإضراب والأحداث التي صحبته.

ه – شن منظمو الإضراب حملة تخويف شديدة بلغت حد استعمال العنف مع أولائك الذين يخرقون الإضراب وهذا كان له مفعوله. ووعود الجهاز بأن الحماية التامة ستتوفر لكل من يشذ عن الإضراب لم تكن موثوقة وامتنع الأهلون عن الاعتماد عليها.

 

2 – على الرغم من الحقيقة أن الإضراب وكل ما سبقه وصحبه صُمم ونظم على يد "ركح"، حرص الحزب ألاّ يظهر في ذلك، لكي يأخذ بين يديه بالفعل القيادة القومية بين عرب إسرائيل.

          ويجب الالتفات إلى هذه الخطوة وتفحّص دوافعها ومركباتها:

 

1-حركة م . ت . ف . التي تشكل حركة التحرر القومي لعرب فلسطين لم تنقش على علمها تطلعات اجتماعية، وباستثناء شق صغير هامشي – جماعة جورج حبش – لا يوجد من ينظر إلى هذه المواضيع نظرة جدية أو من يعلنها.

2-إرسال جماهير غير أعضاء في الحزب للمجابهة العلنية والعنيفة مع قوات الأمن والتسبب بوقوع حد أعلى من المتضررين من بين الجماهير، بغية خلق شعور الكراهية والإنتقام في الجمهور وخلق التوتر في جانب الحكم أزاء الجمهور العادي.

3-والمسار الكلاسيكي المتبع في حركات التحرر في آسيا وأفريقيا هو ربط النضال القومي بالنضال الإجتماعي الأمر الذي يساعد على تجنيد الجماهير في أغراض النضال والرأي العام المتعاطف. وواضح أن دولا ودولة عظمى ذات اتجاهات معينة تجد نفسها متدخلة، ولو دعائيا فقط، في كل نضال يجري تحت هذه الشعارات.

وعلى ضوء ما تقدم يجب النوجه بجدية بالغة إلى الخطوات المذكورة آنفاً وإلى الظواهر التي قد تنجم من نشوء تماثل مع ذلك في الرأي العام العالمي وفي أوساط العرب. لذلك، حسب رأيي، تستمر "ركح" على ذلك ولا سيما تحت ستار قومي.

-                     يجب أن تبرز عدة انجازات هامة للقومية العربية المتعصبة التي توجهها "ركح" نتيجة "يوم الأرض"، والشغب الذي سبقه والأحداث التي جرت في أثنائه:

1-             نشأ لأول مرة منذ قيام الدولة وضع تماثل فيه جميع العرب عن وعي وعلنا، وخلافا لطلب الحكومة مع مطلب سياسي قومي عربي متطرف واستعدوا نفسياً للأعمال وتحقيقها. وأكثر من ذلك فإن معظم أجزاء الجمهور العربي بررت وتبرر أعمال المشاغبين والمعتدين على قوات الأمن وتتوافق وإياهم في ذلك علنا وتعلن ذلك.

2-             كان العدد الكبير من السلطات المحلية وقادتها بمثابة وسائل وأجهزة لتطوير وإدارة النضال، وحتى أولئك الرؤساء الذين لم ينضموا إلى المتطرفين في المرحلة الأخيرة نتيجة للضغوط عليهم، لم يعلنوا معارضتهم للإضراب بل طلبوا تأجيله إلى حين ليستعملوه وسيلة ضغط على الحكومة بالتهديد بإعلانه.

3-             ونجح القوميون المتطرفون و "ركح" في تحريض الجماهير وإقحامها في النضال العنيف مع قوات الأمن – الإصطدامات التي خلفت رواسب عميقة فظيعة وستبقى لمدة طويلة. وتدل على التخطيط المصمم حقيقة هي أنه على الرغم من الإنفعال الذي استولى على الجماهير، نجح المخططون في أن يخرجوا من الصراع العنيف المنظمين للمحافظة على سلامتهم الجسمية وفي وجه الإعتقالات التي جرت بعد التصادم.

4-             وأعمال العنف العلني، مع كل نتائجها الوخيمة التي انجرت على العرب، ملأتهم افتخارا ورفعت قاماتهم. انهم يعتزون بأنهم توفرت فيهم الجرأة ليشتبكوا مع قوات الدولة الرسمية. ويجب ألا ننسى أن إحساساً كهذا في جمهور مثل جمهور عرب اسرائيل، وفي جو مثل الجو الذي يخيم عليهم لذو امكانات كبيرة أمام الدعاة المحترفين الذين هدفهم "أن يعيدوا انتصاب القامة العربية بعد ذلها" بين عرب اسرائيل.

5-             برزت القوة السياسية في أيدي القومية العربية المتطرفة، التي تبرزها بالفعل "ركح" لاحتياجاتها واحتياجات نضالها السياسي في المستقبل كما جاء آنفا.

6-             نحى الإضراب وأعمال العنف إلى الهامش ذلك الجزء العربي من الجهاز (المنتخبين) ورؤساء السلطات المحلية الذين لم ينضموا إلى الإضراب أو اقترحوا تأجيله، لأن الإضراب تم بأكمله خلافا لقرارهم في اجتماع شفاعمرو. وهكذا أسلم الجمهور العربي النشيط، ولا سيما الشبان فيه، إلى أيدي "ركح" ودعاتها القوميين المتعصبين.

ولعل هنا المكان لإثارة التفكير فيما إذا كان من الحكمة السياسية على المدى الطويل أن يضغط على رؤساء السلطات المحلية في اجتماع شفاعمرو كي يتصرفوا كما تصرفوا. يجب بالتأكيد البحث في هذا الموضوع واتخاذ القرارات المناسبة. وأنه لكسب تاريخي للمنظمين ولما يمثلون ألا وهو وحدة العرب الأكيدة التي تم الوصول إليها بتنفيذ "يوم الأرض" والشرخ العميق الذي استطاعوا أن يوجدوه نتيجة لذلك بين الجمهور اليهودي والجمهور العربي.

وكان لهذا الشرخ وسيكون له في المستقبل دلائل محزنة عند اليهود والعرب على السواء، ولا شك في أن عاملا معاديا سيستغله جيداً.

7-             وترك الإضراب انطباعاً ليس بالقليل على المشاريع والهيئات والخدمات بإثباته الإرتباط في إدارة الإقتصاد إدارة حسنة بالأيدي العربية العاملة، وفي الوقت نفسه ثبت للجمهور العربي حيويته بالنسبة للإقتصاد الذي يديره اليهود. وهذه الحقيقة تستغل وستستغل في المستقبل في "رفع القامات العربية" التي على عرب اسرائيل أن يستعملوها ويستغلوها.

توقعات

1- تترك الأوضاع والمعطيات التي تكونت في "يوم الأرض" وبعده في أيدي "ركح" والقوميين المتطرفين امكانات كبيرة لإحداث اضطرابات في الدولة وخلق عدم الهدوء والتوتر الطائفي. ويبدو من المؤكد أنه ستكون عودة إلى استعمال نفس التكتيك ونفس الشعارات لاذكاء الجماهير ودفعها إلى الشارع كلما قررت العناصر المقررة ذلك.

2- ستتعمق وتتسع حملة التخويف وتبلغ درجة التهديد واستعمال العنف مع العرب الذين يتعاونون مع السلطة لغرض اسكات كل مقاومة أو اسماع اصوات معتدلة.

3- على ضوء الأصداء بعد الأحداث الأخيرة في الوسط العربي خرجت الجماهير العربية إلى الشوارع لهدف واضح: التصادم مع قوات الأمن وزيادة عدد المواطنين العرب المتضررين، في هدف إثارة روح النقمة على قوات الأمن وخلق أصداء في العالم عن عدم الإستقرار المستولي على اسرائيل واضطهاد السلطات الإسرائيلية المحتلة للأهلين العرب.

4- وستزيد هذه الإصطدامات من شعور التعاطف مع المتضررين من عرب اسرائيل، وتنشأ بذلك وسائل التسرب إلى أوساط لا تزال لأسباب مختلفة تتردد في الإنضمام إلى الجانب المناضل.

وعموما ستسبب تسارعا في تدهور الوضع. ويجب إبراز أن نظرية هذه الأوساط هي أن الوضع القائم ليس في صالح عرب اسرائيل وفقط في حالة عدم الهدوء العام في الدولة تكمن امكانات التغيير وعلى المدى الطويل أو البادي للعيان، وانحلال اسرائيل من الداخل و"فلسطنة" الدولة.

5- يجب الخروج من الفرضية الأكيدة وهي أن م.ت.ف أو أي جزء من مكوناتها ستدرس هذه الأعمال على الرغم من أن تطبيقها سيكون على يد "راكح" – عندما يحرك النشيطون فيها بالخيوط وهم واقفون في الظل. وسيقع جل عبء امتصاص هذا النشاط على القوميين العرب في اسرائيل ولا سيما المثقفين المتشوقين لاثبات "عروبتهم" واستعدادهم للنضال في وجه الحكم الإسرائيلي.

6- والشرخ الذي أوجدته الأحداث الأخيرة بين الجمهور اليهودي والجمهور العربي سيستغل بأكمله وسيبذل كل جهد لتعميقه وتوسيعه. ويجب أن يؤخذ بالحسبان أنه لبلوغ هذا الهدف ستجري أعمال استفزازية من كل نوع ممكن من اضرابات وعنف وحتى استعمال التخريب. وحسب رأيي أن استعمال السلاح الناري في الإصطدامات الجماهيرية المقبلة سيكون أوسع وذلك لإيجاد مؤثرات حرجة لتزيد الشرخ المذكور.

7- ومن المتوقع أن يتوفر إمكان نشوء هيئة قومية ذات "توجه" غربي لاكتساب عطف الدول والأوساط المناهضة لليسار في البلدان الخارجية.

8- ستزداد السيطرة على السلطات المحلية والتسرب إليها لاستغلالها لأغراض الدعاية، والتستر والتمويل والتمثيل الواسع. وأثبتت هذه الوسيلة جدواها في "يوم الأرض" لتنفيذ الهدف الآنف الذكر.

9- على ضوء التدهور السريع والمتوقع والذي فصل في المذكرة السابقة وفي هذه المذكرة اقترح:

-                     إقامة جهاز بسرعة شأنه التفكير ليقترح على الأوساط المقررة في المشاريع العملية التالية:

1-             على المدى السريع

2-             على المدى المتوسط

3-             على المدى الطويل

-                     يجب أن تقام حالاً لجنة خاصة للتنسيق بين الوزارات على درجة مديري وزارات يقودها وزير تعينه لهذا الغرض الحكومة يقف إلى جانبه مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية.

-                     وعلى ضوء الحقيقة أن وزارة الداخلية هي أنبوب الإتصال الرسمي والعملي المركزي بالمؤسسات الرسمية والمنتخبة بين الشعب يقترح أن يقف في رأس لجنة التنسيق المؤلفة من مديري الوزارات مديرو وزارة الداخلية.